19 April, 2026

فوق الأنقاض – بقلم محمد أمين الربعي

اشتقتُ إلى نفسي، نعم اشتقتُ إلى ذلك الشاب الذي أحب تراب بلده، بل عشقه.. وأحب من يسكنونه، فتماهى فيهم وتألم معهم، وثار على كل قانون لاينصفهم، ولا يعطيهم حياة يستحقونها.

نعم اشتقت فأنا منذ مئتين وثمانين يوماً لم أر وجه ذلك الشاب.

وأظن أنه هرِم خلال هذه الأيام.

هناك محكوم بالإعدام متنفذ داخل السجن، هرولت إليه وطلبت منه قطعة زجاج  مقابل علبةِ سجائر وأخرجتُ كل ما في جيوبي ، وبعد أن أكدتُ له بأنني لن أنتحرَ مثلَ البقية.

رتبتُ نفسي، وسرحتُ شعري بيدي، بعدما بللته بقليل من الماء،

ومسحتُ وجهي بذيل قميصي.

توقف الزمن، فالثواني صارت ساعاتٍ طوالاً قبل أن أسمع أخيراً صوت الجرس الذي يعلن بَدء الفُسحة اليومية.

خرج الجميع لكنني تعللت بصداعٍ مدمر فتُركت قابعاً في ركني المعتاد، تقدم نحوي السجينُ بعد تأكده من مغادرة جميع السجناءِ الغرفةَ.. وضع يده في جيب سرواله المرقعِ وأخرج قطعةَ خبزٍ كان قد وضع فيها مسبقاً قطعة الزجاج،

ثم انصرف مع ابتسامةٍ كلها استهزاء.. فما الذي يُفيدني النظر إلى وجهي؟!!

رأيتُ وجهاً لم أعرفه، نظرت خلفي خلتُ أحداً يقف ورائي، لم أجد سوى الحائط، عدتُ إلى قطعة الزجاج، وبدأت أتمعن في ملامح هذا الوجه، شعرتُ بقلبي ينقبض، وكأن يداً تعصره، وأشحتُ بوجهي.

ثم سمعتُ هدير المتظاهرين وهم يهتفون: لا للظلم، لا للأحكام العرفية،

ثم ضاعت أصواتُهم مع الأصوات القادمة من الخارج.

عدتُ إلى الزجاج، كانت الدموعُ تملأ ذلك الوجه، ابتسمتُ له.. لا بأس، سنعتاد على بعضنا.

وبدأت أحفظُ تقاطيعَه.. فهو سيرافقني حتى النهاية.

نعم هناك جرحانِ وتشوهٌ بسيط في الشفة اليمنى، واعوجاجٌ في جفن العين اليسرى، وهالاتٌ سود حول العينين.

إذن أنت الآن وجهي.

رفعتُ رأسي رأيتُها تتأملني باستنكار، ثم هزت رأسها أسفاً،  وغادرت.

خبأتُ قطعة الزجاج في رغيف الخبز مثلما جاءت وأخذت نفساً عميقاً، وابتسمت:أنا مازلت بخير.

*****

عاد الحمامُ الزاجل إلى صاحبه من جديد ، اغتبط الأسير فشكل بأوراق سجائره رسالة، وكتب حروفا بدماء جرحه، فطار الحمام من بين قضبان زنزانته الانفرادية، وشكل طريقا إلى ديار صاحبه المغتصبة.

في وسط السماء الداكنة بغبار البارود انقّضت الغربان المارقة على الحمام فصُرع وسقطت الرسالة بين أكوام الجثث… أُنزِل علم البلاد وتهاوى وأحرق وأخذت مكانَه نجمةٌ سداسية تشم من خلالها الدمارَ والخراب، جفت النوافيرُ تحت أنقاض بيتٍ فلسطيني، وتبخرت معه ذكرياتُ الصبا.

.. امتلأت السماء الداكنة بالأطياف، الأشجار تهاوت وسقطت جثثاً، والحيونات استقرت لحماً في البطون الجائعة.. دُقت طبول الحرب وأُشعِلت نيرانُ المدافع، ولاح من بعيدٍ جيشٌ صنديد ثم نُصبت مشانقُ أحفاد القردة والخنازير في الساحات حريةً من جديد، هُوية من جديد، كرامةً من جديد، بفضل بندقية من حديد…

رجع حمامُ الزاجلِ يهدِلُ ويبني أعشاش السلام، وعادت الأطيافُ إلى جنة الرحمن….

******

تناهى إلى مسامعي صوت قهقهات أطفالي وهم يلعبون في شرفة البيت، وشممتُ عطر حبيبتي يداعب أنفاسي، أحسست بقبلات أمي على جبيني تدعو لي بالرضوان، صوت ترتيل أبي لكتاب ربي.

*****

فجأة أفقتُ من سباتي، كل شيء كان سرابا في مخيلتي.. أين أمي؟ أين أبي؟ أين حبيبتي و أطفالي؟أصبح طيفُهم يحلق في الأرجاء.

دفنتُهم بيدي وأهَلْتُ فوقهم تراب بلادي، تضمخ ثوبي بدماء أحبابي، كل شيء صار خراباً ودماراً من حولي.. لم أعد أشتم إلا رائحة بارود البراميل المتفجرة فوق أنقاض بيتي… هنا ألعابُ أطفالي ممزقة يكسوها التراب، وصندوق خشبي يخص زوجتي كانت تضعُ فيه عطرَها الزكي، وحذاءُ أبي الذي اشتريته له بالأمس لم يكسُ قدميه، فقدماه الآن تخطوان فوق أراضي الجنان…

أخذتُ رداء أمي وفرشتُه فوق أرضي و تيممت بحجر أنقاض بيتي ثم توجهتُ إلى الرحمن أشكو له حالي.. سجدت متمنياً أن يقبض الله روحي لتطير  بعيداً تعانق أطياف أحبابي… سوف أخبرُ اللهَ بكل شيء أيها العرب أيها المسلمون يا من خذلتموني…

نزلتْ دموعي وصارت طيناً تحت جبيني واختلطت بتراب أرضي و دماء أهلي…

*****

أنهيتُ صلاتي، مسحتُ دموعي، ما خلقني ربي لكي أموتَ في أول العثرات، هدموا بيتي وقتلوا أطفالي، زوجتي، أمي و أبي، خنقوا آمالي لكنني مازلتُ واقفاً فوق تراب أرض القدس بلادي….

*****

شق صدرَه وأخرج قلبه من بين ضلوعه ثم غرسه تحت ترابِ القدس بلاده، تدفقت دماؤه وسالت داخل شرايينِ أرضه واختلطت بدماء أهله وأجداده الطاهرة، سقى نبتته الفتيةَ بمياه دمعه وعرقِه..

أنبتت العروق وتشعبت، ثم أذكت دماءُ الأجداد، دماءَ الحفيد تستنهض همتَه للثأر لهم وله ولوطنه المسلوب المغتصب، فأينع قلبُه وأثمر قلوبَ ثوارٍ يحملون بين ضلوعهم وفي أفئدتهم القضية.. يُرهبون عدوَ الله وعدوَهم.. ثورة حتى النصر المبين!!

رابط مختصر:https://palfcul.org/?p=14535

Font Resize