19 April, 2026

أهوال الأرض – بقلم هيثم سمير صديق

كان يمشى في شوارع المدينة باحثاً عن وطن وعن ملاذ آمن وعن ذكريات عالقة في عقله وقلبه فوجد رجلاً ينبش في الأرض وهو يبكى بكاءً شديداً فدنىٰ منه ليعرف ما ألمَّ به فوجده يبحث عن أشلاء ولده وزوجته تحت الركام لعله يجد فيها ما يطيب فؤاده من عبق الماضى القريب حتى لو رقعة قماش ، فربط الرجل على قلبه ليجبر خاطره لعله يهدأ أو يستكين ، ثم تركه وراح يجول الأزقة وينظر هنا وهناك  ليجد أمامه طفل يمسك العلم بيده بقوة كأنها من حديد .. وحجر باليد الأخرى فى أهبة الأستعداد أن يضرب به الرجل لما رءاه وقد اشتدت هامته وانتفضت عروقه دون خوف كأنه يثأر لنفسه ولوطنه ولو شئنا نقول يثأر للأمة

فناداه من بعيد أنه من أهل هذا الوطن وأنه لم يؤذيه واقترب منه على مهل خوفاً أن يلقي الطفل الحجر عليه ، وكلمه قليلا ليطمئنه فجرىٰ الطفل إليه وارتمىٰ بين ذراعيه والدموع تنهمر دون بكاء

 فلما هدأ الطفل سأله الرجل عن أهله ولماذا يقف وحيداً عند هذا المكان ؟

 ‏ فقص عليه أنهم أخرجوه من البيت ليبيت عند أقاربهم بعيداً عن القصف والدمار الذى وقع عليهم  وظلوا هم في المنزل متمسكين به حتى قصفته الصواريخ وإنهار عليهم  وهذا بيتنا يرقد هنا على الأرض ومن تحت حطامه أهلى .

 ‏ ضمه الرجل إليه ثم أخذه من يده وراح يكمل السير حتى وقف بالقرب من كومة تراب كبيرة فتسّمر مكانه وشرد عقله وهام فى الأيام الخوالي والذكريات الجميلة التى كان يعيشها هو وعائلته وجيرانه فى هذا المكان الذى تدمر على من فيه بين ليلة وضحاها على يد أعدائهم الظالمين

 ‏وانهالت الأسئلة عليه كيف حدث هذا ولِما تركونا بمفردنا دون سند أو مدد ،

أين الأخوة والترابط أين هى الأمة بشموخها وتاريخها أين هى الأمجاد ؟

هل صُفدت أياديهم هل هم نائمون ولم يدروا بما حل بنا ؟

 وهو في هذه الحالة ..

رأى طائرات تحلق فى السماء من فوقهم جائت من كل حدب وصوب مرسوم عليها أعلام العرب  والأرض إمتلأت بالدبابات والجنود فى مشهد عظيم ، كم إنتظروه كثيرا وبشرىٰ غابت لسنوات طويلة ، رأى الصبية يهللون والبنات تتراقص كالفراشات من فرحتهن بعدما كانت الأرض تئن بالصرخات الموجعة التى خلفتها تلك العصابة المجرمة من تشريد وخوف وجوع حتى إلتصقت البطون بظهورهم من شدة الجوع والعطش وفجأة يسمع صراخ الطفل وهو يهز يده ليستفيق من حلم جميل عاشه للحظات وأشار الطفل بيده ليرى الرجل مشهداً تقشعر منه الأبدان .

 يرى الحيوانات تنهش الأجساد و تمزق جثث الموتى فينظر للطفل ويقول : يا ولدي .. لا تبكى فضمير الأمة قد مات ، يعز علي يا ولدي أن أبكي وأنا أرىٰ العرب تشاهدنا باللهو والترف وهم يعيشون في الملذات

 ‏ يا ولدى لا تحزن إن النصر لا محالة آت .

رابط مختصر :https://palfcul.org/?p=13946

Font Resize