19 April, 2026

غزَّةُ تُعيدُ الماضي المشرق – بقلم مصعب أحمد عبد

تمضي الأيَّامُ وحربُ غزَّةَ تتواصلُ وتسجِّلُ أرقاماً مرعبةً في ارتفاعِ أعدادِ الشُّهداءِ والجرحى، في ظلِّ عجزٍ دوليٍّ عن إيقافِ آلةِ الإجرامِ الصهيونيةِ التي أهلكت الحرثَ والنَّسلَ من دونِ حسيبٍ أو رقيبٍ، بعد أن وقفت غزَّةُ وحيدةً مدافعةً عن مسرى النَّبيّ “صلى الله عليه وآلِهِ وسلَّمَ” بالنيابةِ عن الأمَّةِ الإسلاميةِ التي لم تحرِّكْ ساكناً يوماً في الدِّفاعِ عن أولى القبلتين!

ولا شكَّ أنَّ الجميعَ يعرفُ أنَّ ما يحدثُ في غزَّةَ يختلفُ عن كلِّ الحروبِ، لأنَّ العدوَّ الغاصبَ لا يعترفُ بأعرافٍ وقوانينَ للحروبِ التي يخوضُها، ولا يُقيمُ لها بالاً وأهميةً لأنَّهُ يعتبرُ نفسَهُ هوَ القانون، بل فوقَ القانونِ وهذا ما رأيناهُ في كيفيةِ إخضاعِ الدُّولِ العظمى للقراراتِ والأهدافِ التي تناسبُ تطلعاتِ الاستعمار، وتحويلِ تلكِ الحربِ الهوجاءِ والحصارِ الغاشمِ إلى إبادةٍ جماعيةٍ ضدَّ المدنيينَ العزَّلِ، في محاولةِ صناعةِ انتصارٍ وهميٍّ وترميمِ انكسارِ الطُّوفانِ الذي دمَّرَ صورةَ  هذه الأسطورةِ المزعومةِ التي تلاشت بلمحِ البصرِ أمامَ عظمةِ هؤلاءِ الرِّجالِ الأشاوس! كلُّ هذا الدَّمارِ والخرابِ والتجويعِ يأتي ضمن مخطَّطٍ غبيٍّ لإخضاعِ شعبِ غزَّةَ؛ وركوعِه تحتَ أقدامِ قوى الاستكبارِ وتنصلِهِ عن التزاماتِهِ في الالتفافِ حولَ مقاومتِهِ، ولكن ما يحدثُ وحدثَ هوَ العكسُ! حينَ تجلَّت آياتُ حفظِ الله تعالى وقوتُهُ ونصرُهُ لعبادِهِ المؤمنينَ ليزدادوا إيماناً ويقيناً، فمن كانَ اللهُ معهُ لو اجتمعت الإنسُ والجنُّ عليهِ، ولو تآمرت كلُّ قوى الأرضِ على أن يضرُّوه ما زادوهُ إلّا قوةً وثباتاً، وبهذا الثباتِ الأسطوريِّ المذهلِ ستُحيي غزَّةُ في قلبِ الأمةِ يقيناً في موعودِ اللهِ الذي وعدَ بهِ  المستضعفينَ بالاستخلافِ والتَّمكينِ بعد هذا الاستخفافِ والاستضعافِ الذي أصابَ الأمَّةَ وجعلَها هباءً منثوراً.

غزَّةُ اليومَ ترسمُ محاورَ النَّصرِ والخلودِ وإعادةِ حياةِ الكرامةِ في شرايينِ الأمة! لاسيَّما موتُ الرُّجولةِ والنَّخوةِ في ضميرِ النِّظامِ العربي الرسمي، هذه الأنظمةُ التي كانت وما زالت في طورِ الأقزامِ، لا يجيدونَ إلّا التآمرَ على بني جلدتِهم وتحريكِ فيالقِ قواتِهم للبطشِ والتنكيلِ بمن يناصرُ فلسطينَ وأهلَها، فأصبحت هذه الأنظمةُ شريكاً في هذا الإجرامِ على غزَّةَ والمناصرينَ لها في محور الحقِّ الساطع.

في تلكَ البقعةِ المدمَّرةِ من كلِّ مكانٍ؛ المخضَّبةِ بدماءِ الشَّرفِ تلكَ الدِّماءُ التي ستنيرُ للأمةِ طريقَها نحو مجدٍ يليقُ بها، نرى اليومَ آياتِ الله تسري على يدِ المرابطينَ وتجلياتِ قولِهِ تعالى من سورةِ ياسين:

“وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)”

تظهرُ بمعناها الحقيقي عندما يذهبُ المقاتلونَ إلى أفخمِ الآلياتِ العسكريةِ المعزَّزةِ بكاميراتِ المراقبةِ والاستشعارِ التي ترصدُ الأجسامَ عن بعدِ مئاتِ الأمتارِ ويعتلونَها ويلوِّحونَ لطاقمِها؛ ويجهزونَ عليها دونَ أن يحرِّكَ العدوُّ ساكناً، فضلاً عن اختراقِ الجدرِ المحصَّنةِ المزوَّدةِ بأحدثِ أنظمةِ الوقايةِ، واغتنامِ عدتِهم وعددِهم وأسرِهم في عقرِ دارِهم في تجسيدِ صريحِ لقولِهِ تعالى:

“ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ ‌الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ” ولو كُتبَ لأيِّ شعبٍ أن يعيشَ ما عاشوهُ؛ من مقارعةِ الظلمِ وسنين من التآمرِ والتنكيلِ لانتهى أمرُهم واجتُثت جذورُهم وذهب خبرُهم، لكنَّ إرادةَ اللهِ فوقَ تلك المخططاتِ العفنةِ؛ ترجمةُ  معاني الصَّبرِ وآياتِهِ المتجذرةِ في أعماقِ نفوسِهم  إلى الواقعِ الفعلي، فما رأيناهم إلّا  جبالاً  للصَّبرِ الذي فاقَ الخيالَ في مشاهدَ نشاهدُها كلَّ يومٍ على الشاشاتِ فيها تباشيرُ وعدِ اللهِ ومثبِّتاتِ اليقينِ ومشاهدةُ المعقولِ واللامعقولِ في فلكِ هذا الطوفانِ الميمونِ الذي أدهشَ الجميعَ، وكلُّ هذه المشاهدِ تعيدُ إلى الأذهانِ مآثرَ الكراماتِ في الأزمانِ السَّالفةِ، وربَّما ستعيدُ غزَّةَ ما تآكلَ واندثرَ وأصبحَ تاريخاً يُحكى، سيُعيدُ أبطالَ الأرضِ شرفَ الأرضِ وعزَّةَ الشَّعبِ العربيِّ بكاملِهِ، فهذهِ الحربُ مختلفةٌ وهيَ تمثِّلُ قمَّةَ ما وصلَ إليهِ الجسدُ العربيُّ والعقلُ العربي.

رابط مختصر:https://palfcul.org/?p=12416

Font Resize