10 August, 2022

في الذكرى الخمسين على اغتياله.. غسان كنفاني يجدد حضوره النوعي

بيت فلسطين – فايز أبو عيد

تحل علينا الذكرى الخمسين على رحيل الأديب المبدع غسان كنفاني الذي اغتاله «الموساد» الصهيوني (مع ابنة أخته لميس نجم 17 عاماً) يوم الثامن من يوليو (تموز) عام 1972 في بيروت، وحالنا كأمة عربية وإسلامية يتدهور من سيئ لأسوأ، في حين نفتقد في ذكرى اغتياله ذاك الماضي الجميل الذي كنا فيه كشعوب عربية أكثر إيماناً بقضايانا وتمسكاً بها، بالرغم مما مررنا به من انكسارات وهزائم ونكسات ونكبات.

سؤال الذكرى   

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وبقوة لو أن غسان كنفاني مازال على قيد الحياة ماذا سيكون موقفه من وضعنا؟ وماذا سيضيف على عبارته المشهورة “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية”؟ أو هل من الممكن أن يؤيد تقييم المؤرخ البريطاني “تويبني” للعرب من خلال رؤيته للصراع العربي الصهيوني: ” إن العرب أسوأ محامي لأعدل قضية”؟!

إن الولوج لعالم غسان كنفاني ليس بالأمر اليسير، وتكتنفه المصاعب والمشقات، فهو عالم رحب واسع امتد على رقعة زمنية تنوء عن نصف قرن تمكن من خلالها أن يشكل ظاهرة إبداعية خاصة به لها مفرداتها ومقوماتها المميزة، واستطاع أن يكون أيقونة بأفكاره التي صلحت وتصلح لكل زمان ومكان حيث كتب بشكل أساسي للشعب الفلسطيني، وتوجه بخطابه لجموع من الناس العاديين فدخل قلوبهم قبل عقولهم لأنهم وجدوا بكتاباته وأفكاره ملامسة حقيقية لمأساتهم ومعاناتهم وهمومهم، وهذا يقودنا إلى ما قاله غسان كنفاني عن  نفسه في إحدى اللقاءات الصحفية  “إننا نتعلم من الجماهير ونعلمها، ومع ذلك فإنه يبدو لي يقيناً أننا لم نتخرج بعد من مدارس الجماهير؛ المعلم الحقيقي الدائم الذي تكون الثورة في صفاء رؤياه جزءاً لا ينفصم عن الخبز والماء وأكف الكدح ونبض القلب.

فيما رأى الشاعر الراحل محمود درويش أن المسعى الأهم لبحوث كنفاني الأدبية هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد لجهة النأي عن الفلسطيني المجرّد، والاقتراب من الفلسطيني الذي يعي أسباب نكبته، ويدرك أحوال العالم العربي ويعرف ماهية الصهيوني الذي يواجهه”.

حياة مناضل ومثقف

لم تكن حياة غسان بتلك الحياة السعيدة الهانئة المستقرة فهو كأي فلسطيني عانى الكثير من ويلات الغربة والتشرد والقهر والاضطهاد فكانت حياته مشتتة ومقسمة ما بين هذا البلد أو ذاك، فقد عمل مدرساً في مدارس “وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين “في دمشق واشتغل في إحدى الصحف كمدقق ومصحح حتى عام (1953)،إلى أن التقى بالدكتور” جورج حبش “عام(1954)وانتسب إلى حركة “القوميين العرب “وكتب في جريدتها “الرأي” وبعد مضي عامين من انتسابه التحق بأخته المقيمة في الكويت ليعمل هناك كمدرس لمادتي الرسم والرياضة لكن ذلك لم يوقف غسان عن الكتابة في المجال الصحفي والأدبي لأنه كان يعتبر الكتابة قدره التي يستطيع من خلالها فقط أن يعبر عن عشقه لفلسطين فكان يقول: “عندما أفرغ من العمل وأجلس إلى طاولتي تنهمر على الذكريات كالمطر أراها فلسطين بسهو بها الخضراء بقراها بشوارعها ببساتين البرتقال فلا أقدر أن أعبر عن عشقي لها إلا بالكتابة “.

مكانته الروائية  

يعد كنفاني من أهم الروائيين الفلسطينيين والعرب في القرن العشرين، وكان في مقدمة مؤسسي ما بات يُعرف بالأدب الفلسطيني المقاوم، حيث صدر له أكثر من عشرين مؤَلفاً ما بين قصة قصيرة ورواية وعمل مسرحي وبحث، وقد ترجمت معظم مؤلفاته إلى لغات عدة، وبعضها ترجم إلى 20 لغة، وبعضها تحول لبرامج إذاعية وأعمالٍ سينمائية نالت جوائز،

من أهم أعماله

من رواياته: “رجال في الشمس” (1963)، “ما تبقى لكم” (1966)، “أم سعد” (1969)، “من قتل ليلى الحايك؟” (1969)، و”عائد إلى حيفا” (1970)، وفي المجموعات القصصية كتب كنفاني “موت سرير رقم 12″ (1961)،”أرض البرتقال الحزين” (1963)، و”عن الرجال والبنادق” (1968).

أما الدراسات التي تركها كنفاني فهي “أدب المقاومة في فلسطين” (1966)، “في الأدب الصهيوني” (1967)، والأدب الفلسطيني المقاوم” (1968)، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من المقالات في الثقافة السياسية وكفاح الشعب الفلسطيني.

خمسون عاماً مرت على الرحيل وما تزال شخصياته ماثلة أمامنا كالمرآة تفضح عرينا وتعلمنا ارتداء أثواب الدم، وصوته مازال يعلمنا أبجدية الرؤية ويفتح نوافذ الشمس، إنه الرجل الذي مزج طين الأرض بدمه ليعمر أكواخاً للفقراء بدمه وحبره، لا يفقده الموت حضوره الدافئ فينا وكأنه كل فجر يقرأنا من جديد على أوراقه إبداعاً ورؤية.

وأخيراً يمكننا القول إنه بتلك المسيرة الحافلة بالعطاء والإبداع والتضحية والعقل المتفجر بعبقرية الإبداع، نرى غسان كنفاني وكأنه يلملم ظله يجمعه على حواف تابوته الصغير تاركاً لنا تراثاً عريقاً ومبدعاً نقرأ به أنفسنا وماضينا وحاضرنا ومستقبلنا تاركا لنا خلفه صوته الراسخ في الذاكرة يعلمنا كيفية الدفاع صارخاً:” إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية فالأجدر أن نغير المدافعين لا أن نغير القضية”.

رابط مختصر||https://palfcul.org/?p=4797

حجم الخط