الحوار الثقافي مع الشاعر محمود مفلح:
حوار – سمير عطية – بيت فلسطين للثقافة:
• هُناك هاجس يُلحّ عَليّ كثيراً في كتابة سيرتي الذاتية
• كانت آمالُنا أكبر من آلامنا، ونعتقد جازمين أنَّ الخيام لن تدوم إلى الأبد
• صَقَلَت الأسفار والمنافي موهبتي، وعمَّقت تجربتي الأدبيَّة
الشَّاعر الفلسطيني محمود مفلح، ابن قرية سمخ في مدينة طبريّا بشمال فلسطين، المدينة التي تجاور البحيرة الشهيرة، فتَهب للطّفل محمود، شغفاً بالوطن سيمتد معه عبر رحلة هجرته القسرية الطّويلة.
عاش نكبة شعبه طفلاً في الخامسة من عُمره، وهاجرت أسرته إلى مدينة درعا في سوريا.
غير أنَّ هذه الرّحلة القاسية لم تكسر شخصيته، ولم تتغوّل على طموحه، فأنهى تعليمه المدرسي في سوريا، وحصل على الإجازة الجامعية في اللغة العربية من جامعة دمشق.
سيرة حافلة بالتعليم والثقافة والرّوابط الأدبية، من اتحاد الكتاب العرب إلى رابطة الأدب الإسلامي، مع عدد كبير من المشاركات الأدبية، ومؤلّفات في الشعر منها “نقوش على الحجر الفلسطيني”، و “شموخاً أيتها المآذن”.
عاد مؤخّراً إلى سوريا بعد أعوام مِن التهجير التي قضاها في مصر خلال العقد الماضي، وكان هذا الحوار عبر غمام الإنترنت وحروف المحبة:
عقود من الكتابة الإبداعية في رحلتك الثقافية، كيف تنظر إلى البدايات؟
– تسألني عن البدايات، هي كل بدايات المُهجَّرين من أصدقائي الشعراء.
بدايات قهرٍ وظلم، ولكنَّنا رغم كل هذا لم نفقد الأمل ولم نستسلم للواقع المرير.
كانت آمالُنا أكبر من آلامنا، وكانت طموحاتنا أكبر من يأسنا وعجزنا، وكُنّا نعتقد جازمين أنَّ هذه الخيام لن تدوم إلى الأبد، وفعلاً فإنَّ هذه الخيام أنجبت أفضل الرِّجال من أطباء ومهندسين وأدباء ومقاتلين أشِدَّاء.
عاصرتم معارك أدبية حول شعر التفعيلة وما يُسمّى بقصيدة النثر، ما هي وجهة نظرك فيها؟ – نعم، كتبتُ الشِّعر العمودي وارتحت إليه، وكتبتُ شعر التَّفعيلة أكثر. وكتبتُ ما يُسمَّى قصيدة النَّثر قليلاً، ورأيي أنَّ الشِّعر هو الشِّعر في أيِّ شكلٍ جاء، ولا أرفض قصيدة النّثر، بل على العكس أفدتُ من روّادها وما أقلّهم مشيرا إلى حيث الصور المدهشة، والمعالجة الجديدة للموضوع، والغياب عن التقريريّة، والمباشرة، وتسطيح الموضوعات، ولا يُجيد قصيدة النثر إلا كلُّ متمكن راسخ، أتقن شعر العمود والتفعيلة وفرغ منهما.
في مسيرتك الأدبية، التقيت بأعلام ثقافية ومعرفيّة، من الذي تأثر به شاعرُنا؟
– نعم، التقيت بكثير من أعلام الشّعر العربي في بلدان عربية شتَّى، واستمعتُ إليهم بإصغاء، خاصَّة في مصر، حيثُ التقيت بالأستاذ الدكتور صابر عبد الدّايم رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية في مصر وهو صديق حميم رحمه الله، والتقيتُ بالمُفكّر والموسوعي والشاعر د محمد خليل، وهو مُثقَّف عميق الثقافة، واسع الاطلاع. والتقيتُ بالدّكتور النّاقد وائل علي، والدكتور بسيم عبد العظيم. وغيرهم وغيرهم الكثير، والتقيت أيضاً بشعراء يمنيين مجيدين، وشعراء عراقيين. وقد كنت أُعجب بما أسمع، ولكنَّني لم أُقلِّد أحداً على حد علمي.
تحضر قصائدك ومشاركاتك على وسائل التواصل الاجتماعي، حدّثنا عن هذا الحضور الإلكتروني.
– أنا مدين لوسائل التواصل الاجتماعي فلولاها ما كنتُ معروفا، ولكنني وللحقيقة أقول إنني لا أُحسن استخدام هذه الوسائل بكل أنواعها الانستغرام وبقية المنصات.
وقد أضعتُ فرصاً كثيرة بسبب هذه الجهل، وكنت أعتذر عن كثير من الدَّعوات للظهور في برنامج أو لقاء مع بعض الأدباء من أقطار شتّى.
ما هي أحب الأعمال الإبداعية التي أنتجتَها إلى قلبك؟
– أحبّ الأعمال إلى قلبي هو ديواني الأوَّل الصَّادر عن اتحاد الكتاب العرب عام ١٩٧٦م، وعلى أثره أصبحت عضوا في اتّحاد الكُتّاب العرب بدمشق.
وأُشبّه هذا الديوان بالابن البكر وعنوانه “مذكرات شهيد فلسطيني”، ربَّما لم يكن الأنضج فنيًّا، ولكنّه الأغلى والأقرب إلى قلبي.
ماذا كتبت عن غزة؟ عن بطولاتها وأوجاعها؟
– كتبتُ عن غزّة الكثير الكثير، ويكفي أن أقول إنَّ هناك ديوانا كاملا طُبع في غزّة قبل أعوام وَوُزِّعَ على طُلاب الجامعة الإسلامية، وكان عنوان الدّيوان “غزّة.. ريحانةُ القلب”، وقصائدي لها صدى كبير لدى شباب غزة، وأنا مَدين للدّكتور كمال غنيم، والدكتور خضر أبو جحجوح بالإشراف على طباعة أعمالي الكاملة في غزة.
إلى أي مدى ساهمت الروابط والاتحادات الأدبية والثقافية في تفعيل المشهد الثقافي؟
– الرَّوابط الأدبية والثقافية كان لها دور كبير في نشر الوعي الأدبي ونشر الثقافة وتلاقح الأفكار وتعريف الأدباء بعضهم ببعض وهنا أذكر الندوات والأمسيات واللّقاءات الأدبية الكثيرة جدًّا في مصر والتي عرفتني برموز الثقافة المصريَّة وعرفتهم بي أيضاً ولولا هذا النَّدوات، ماكنت لأعرفهم وهم كثر وأنا مدين لكلّ هذه الروابط والنَّدوات والمهرجانات التي شاركت فيها وتعرفت على رموز الأدب من خلالها ليس من مصر فقط، وإنَّما من كثير من الأقطار العربية، خاصة فعاليات معرض الكتاب السنوي في القاهرة، الذي كان يحتضن الكثير من أدباء الوطن العربي.
بين الجماعات الأدبية والفرد المبدع، كيف نفرّق بينهما؟ وهل ساهم الإعلام الجديد في تغليب الذات؟
– إنْ كنت تقصد الشّلليّة الأدبية، فإنَّها موجودة بشكل صارخ وقد غيَّبت هذه التكتلات إن صحّ التّعبير، وكثيراً من الأصوات الحقيقية. التي أبت إلا أنْ تنآى بنفسها عن هذه الشِّلليّة، وربّما أكون أنا واحداً من هؤلاء، ولهذا فقد ظُلمتُ كثيراً.
*
كيف أثَّرت الأسفار والمنافي بشخصية وتجربة شاعرنا الإبداعية؟
– صَقَلَتْ الأسفار والمنافي موهبتي، وعمَّقت تجربتي الأدبيَّة، وجعلتني ألتقي بنماذج مِن المبدعين، ولم أكن أتوقع أن ألتقي بهم، وتجربتي طويلة ومثيرة، فقد عِشت في بيئات شتّى من سوريا إلى المغرب ومن السعودية إلى مصر.
لكلِّ بلدٍ من هذه البلدان طابعها الأدبي الخاص ورموزها الثقافية، والحديثُ في هذا الموضوع يطول ويحتاج إلى تفصيل لولا ضيق الوقت.
ما هي لما هي مشاريعك الثقافية القادمة؟
– هُناك هاجس يُلحّ عَليّ كثيراً كما يُلحّ َعليَّ فيه الأصدقاء ألا وهو كتابة سيرتي الذاتية، وهي سيرة طويلة وخصبة وفيها منعطفات حادة وهي تستحق التَّسجيل والتوثيق لعلَّ الجيل الجديد يستفيد منه.
كلمة أخيرة من شاعرنا العزيز…
– أشكر بيت فلسطين للثقافة الذي منحني هذه المساحة للتَّعبير عما يجول في نفسي.




