حبيبي سابقا:
رسالتك الغاضبة وصلتني في لحظتها؛ ولكني لم أفتح إيميلي منذ أسبوعين لظروف السفر، وخيرا فعلتُ؛ لأنها لم تكن رسالة في الحقيقة، كانت قنبلة صغيرة حارقة تتفجّر كلماتها في وجه من يقرؤها.
كيف كتبتَها؟ ستقول: بلغة الحرب، وأقول: بنار الحقد. كيف أصبحتَ عنيفًا هكذا؟ هل غيّرتْك الحرب إلى هذا الحد؟
– نعم، أصبحتُ أخاف كما قلتَ في رسالتك ولكن ليس عليك؛ وإنما على نفسي وعلى من تتوعّد بحرق مدينتهم.. أصبحتُ أخاف من وحشيتك المسعورة. كيف استطعتُ أن أحبك من قبل؟ لماذا كل هذا الإحراق والدمار الذي يبهجك في شوارع غزة وأحيائها؟ أهو التشفي والانتقام أم هو التعطش الدائم لدماء الأبرياء؟
هل تصدق إن قلتُ لك؟ لا أظنك تصدقني، ولكني سأقول على كل حال: أولئك الذين تسميهم الأوغاد كانوا على مسافة متر واحد منّي يحرسونني ولا يلتفتون إليّ، يطعمونني ولا يحدّقون النظر إليّ، يخدمونني ولا يمنّون عليّ.
أيها الوحش الصغير:
لم تكن موسيقاهم ولا أشعارهم بأجمل من شهامتهم ورجولتهم ونبل أخلاقهم، لم يكونوا أوغادا كما تسميهم.. كانوا على مسافة شبر مني ولم يرضوا أن يلمسوا مني شعرة، لم يؤذوني بكلمة جارحة طَوال مكوثي بينهم.. لا تذهب بخيالك بعيدا، إن أخلاقهم في الحرب أسمى من أن يعتدوا أو يتعرضوا لأحد من المدنيين بأذى؛ فكيف هي في حال السلم؟!
نعم صدِّق أو لا تصدق، هم هكذا فرسان نبلاء، ملائكة ملثَّمون شرفاء.. أولئك الذين تسميهم خاطفيَّ هم كذلك فعلا حتى الساعة.. صحيح أنهم أطلقوا جسدي يوم أطلقوه وليتهم لم يفعلوا، ولكنَّ روحي بقيت مخطوفة بأيديهم لا أملك لها فكاكاً منهم.
كيف استطاعوا أن يكونوا محاربين شرسين في الميادين، ثم إذا ارتدّوا إلى أنفاقهم ودخلوها انقلبوا فيها ملائكة أطهاراً؟! ذلك هو سرهم الذي لا يمكننا فهمه إلا باستعارة منطقهم.
سألتهم يوما:
نحنُ فرائس سهلة في قبضتكم؛ فلماذا لا تفترسوننا؟
– ديننا يمنعننا.
– فلماذا تقاتلوننا؟
– لا نقاتلكم بل نقاوم الاحتلال الذي يقهرنا.
– هل أستطيع الحصول على نسخة من كتابكم المقدس؟
وعكفتُ أقرأ القرآن، ويا له من كتاب مقدس يحوي بداخله عالما عجيبا.. كيف استطعنا أن نعيش حياتنا دون أن نعلم أن كتاباً كهذا يوجد في دنيانا؟
سيباستيان المتوحش:
في الوقت الذي كنتَ تقصف فيه أنت وزملاؤك بيوت هؤلاء (الأوغاد) ومستشفياتهم، وتقتلون نساءهم وأطفالهم؛ كانوا يتنقّلون بنا بين الأنفاق من نفق إلى آخر؛ كي يحمونا من ضراوة قصفكم المتتابع.. حينها تذكّرتُ كيف كان أبي يعامل أسراه الفلسطينيين في السجون التي يديرها ويشرف عليها، وكيف كانوا يموتون بين يديه بسبب التعذيب والضرب المستمر، ثم يعود إلينا في البيت يحكي لنا كل ذلك بتلذذ وسادية وهو يتناول الطعام معنا.
أيها المجرم اللعين:
لا تُهدِني جرائمك بعد الآن، أوقف مجازرك الوحشية، انجُ بنفسك وضميرك من هذه الحرب اللعينة.. لستَ فيها إلا آلة بشرية مسخَّرة لتكريس الاحتلال بفتح وابل الحجيم في وجوه مدنيين عُزَّل.. هل نحن شعب الله المختار حقاً؟!
كيف يكون هؤلاء “الجوييم” مخلوقين مسخَّرين لأجلنا، ثم يكونون خيراً منا في إنسانيتهم، وأطهر منا في أخلاقهم، وأنبل منا في تعاملهم؟ كيف يحرم الله شعبَه المختار من هذه الأخلاق النبيلة ويهبها لهؤلاء “الجوييم” الأراذل؟ أينا المختار وأينا الأرذل؟ هل يجب أن أبقى يهودية رغماً عن حرية اختياري وضميري فقط لأن أبويَّ عريقان في يهوديتهما ديانة ودَماً؟
ملاحظة:
لا تقل: إني تأخّرت في الرد عليك، رسالتك هي التي تاهتْ عني وتأخّرت في الوصول إليّ، ولعلها الأخيرة.. ولن تصل أنت إليّ بعد الآن، ستظل تائهاً رغماً عنك. لا تبحث عني، لست أدونيتك، ولم أعد أدونيا حتى.. لا أريدك، لم أعد أنتمي إليك ولا إلى عالمك.. سأصلي …




