غزَّةُ؛ مدينةُ الجراحِ التي لا تندملُ، ومرآةُ الصمودِ الذي لا ينكسرُ. تسيرُ في شوارعِها الآلامُ مشيًا، وتحملُ على أكتافِها أحلامًا لم تكبرْ بعدُ، وتنسجُ من الدمعِ حكاياتِ البطولةِ. هناكَ كلُّ حجرٍ ينطقُ باسمِ شهيدٍ، وكلُّ زقاقٍ يروي قصةَ مقاومةٍ لم تنتهِ. في ليلِها الطَّويلِ تختبئُ النُّجومُ خلفَ الغيومِ، وكأنَّ السَّماءَ خجِلةٌ من أن تُضيءَ على الألم، لكنَّ أهلَها يزرعونَ في ظلامِ الحصارِ ضوءًا من إرادةٍ لا تفنى، ويكتبونَ بدمائِهم فصولًا جديدةً منَ الصَّبر.
غزَّةُ لا تستجدي الحزنَ؛ بل تتكئُ على الآمالِ المعلَّقةِ في سماءِ الحريّةِ. هيَ الجرحُ المفتوحُ الذي يذكِّرُ العالَمَ أنَّ للكرامةِ ثمنًا، وأنَّ الألمَ ليسَ نهايةَ الحكايةِ، بل بدايةٌ لصباحٍ جديدٍ يشرقُ يومًا ما. غزَّةُ؛ حكايةٌ من وجعٍ لا ينتهي، تقفُ على حافةِ التَّاريخِ شاهدةً على كلِّ ما مرَّ بها من عواصفَ وكوارثَ. يمرُّ بها الغزاةُ كالعابرين، يتركونَ خلفَهم ندوبًا عميقةً في الجدرانِ والقلوبِ، لكنَّهم لا ينالونَ من روحِها شيئًا. ففي قلبِ كلِّ طفلٍ هناكَ تنبضُ شجرةُ زيتونٍ، وفي عيونِ نسائِها يرتسمُ الأفقُ كقصيدةٍ لا تموت.
في كلِّ بيتٍ مهدومٍ تُولَدُ حكايةٌ جديدةٌ. وكلُّ شهيدٍ يسقطُ؛ يزرعُ في الأرضِ بذرةً للمقاومة. كيفَ لا، وهيَ التي اعتادت أن تمشيَ فوقَ الرَّمادِ حافيةً، وأن تغزلَ من الشَّوكِ رداءَ الكرامةِ. غزَّةُ لا تُقهَرُ! لأنَّها علَّمتْنا أنَّ الألمَ قد يكونُ بدايةَ الحياةِ، وأنَّ الشُّموخَ لا ينحني أمامَ الرِّياحِ مهما اشتدّت.
في كلِّ لحظةٍ من ليلِها ينمو الأملُ كزهرةٍ بريةٍ، لا تحتاجُ ليدٍ تسقيها، بل ترتوي من دماءِ الأبطال. غزَّةُ التي رغمَ كلِّ ما مرَّ بها تقفُ كالنَّخيلِ؛ جذورُها عميقةٌ في الأرض، وقمَّتُها تعانقُ السماءَ، تعلنُ للعالمِ أنَّ الحقَّ لا يُمحى، وأنَّ يومَ الحريةِ لا بدَّ آتٍ ولو بعدَ حين. غزَّةُ، تلكَ البقعةُ الصغيرةُ التي تحملُ على كتفيها ثقلَ أمَّةٍ بأكملِها، حيثُ يمتزجُ الهواءُ برائحةِ البارودِ، والأرضُ بعطرِ الشُّهداءِ. هيَ المدينةُ التي تحتضنُ أحلامًا منكسرةً ولكنَّها لا تزالُ تتنفَّسُ، ترفضُ أن تكونَ ضحيةً للحصارِ أو أن تستسلمَ لليأسِ. هناكَ؛ كلُّ صباحٍ يحملُ في طياتِهِ تحدّيًا جديدًا، وكلُّ مساءٍ يعزفُ لحنًا من الصُّمودِ، وكأنَّ الحياةَ فيها معركةٌ مستمرةٌ، والنَّجاةُ هيَ الخيارُ الوحيد.
في غزَّةَ؛ الجدرانُ المتصدعةُ تروي قصصَ الشجاعةِ، والزوايا المهجورةُ تحكي عن أوقاتٍ كانَ فيها الضحكُ سيِّدَ الموقفِ قبلَ أن يقتحمَها الألمُ. ومع ذلك لا تزالُ هناكَ نبضاتُ قلبٍ تتحدّى، أعينٌ تتطلَّعُ إلى السَّماءِ تنتظرُ وعدَ الفرج، وأيدٍ تبني رغمَ الخرابِ، تنسجُ منَ الأملِ خيطًا يمتدُّ نحوَ غدٍ أكثرَ إشراقًا.
غزَّةُ ليست مجرَّدَ جرحٍ، إنّها رمزٌ للمقاومةِ الأبدية، جرحُها ليسَ ضعفًا؛ بل هو شهادةٌ على قوةِ شعبٍ يرفضُ الاستسلامَ، شعبٌ يعرفُ أنَّ الظَّلامَ مهما طال لا بدَّ أن يأتيَ الفجرُ، وأنَّ الألمَ مهما اشتدّ لا يمكنُهُ أن يطفئَ نورَ الإيمانِ بالحريةِ والكرامة. غزَّةُ، مدينةٌ تُختَصرُ فيها كلُّ معاني الصمودِ، تُولدُ من رحمِ المعاناةِ كلَّ يومٍ من جديد، كأنَّها طائرُ الفينيقِ الذي يحترقُ في النَّارِ ليعودَ أقوى. تعانقُ أحزانَها كصديقٍ قديم، لكنَّها لا تغرقُ في ظلامِهِ. في وجوهِ أهلِها ترى الإصرارَ، في أيديهم ترى الأملَ المزروعَ رغمَ العواصفِ، وفي خطواتِهم تسمعُ إيقاعًا لا ينفصلُ عن نبضِ الأرضِ التي لا تهدأ.
في غزَّةَ؛ الحصارُ ليسَ جدرانًا من إسمنت أو حدودًا مسيجة، بل هو اختبارٌ للإرادةِ، وتجسيدٌ لحقيقةِ أنَّ الحريةَ تُولَدُ من بينِ أنيابِ الموتِ. هناكَ يعيشُ النَّاسُ بكرامةٍ رغمَ كلِّ شيءٍ، لأنَّهم يعرفونَ أنَّ الكرامةَ ليست شيئًا يُمنح، بل تُنتزَعُ من قلبِ الألمِ. كلُّ دمعةٍ تسقطُ فيها، هي وعدٌ بالحريةِ، وكلُّ جرحٍ ينزفُ، هوَ صرخةٌ للحقِّ الذي لا يموت.
هيَ ليست مجرَّدَ مدينةٍ؛ بل رمزٌ لمعركةٍ أبديةٍ بينَ الظُّلمِ والعدلِ. وعلى هذه الأرضِ التي تقفُ في مواجهةِ العواصفِ، تتفتَّحُ زهورُ المقاومةِ في كلِّ قلبٍ ينبضُ بحبِّ الوطن. فغزَّةُ تكتبُ تاريخَها بمدادٍ من دماءِ الشُّهداءِ، وترسمُ ملامحَ مستقبلِها رغمَ كلِّ شيءٍ، تؤمنُ أنَّ الفجرَ قادمٌ، وأنَّ الاحتلالَ مهما طالَ، زائلٌ لا محالة.
رابط مختصر :https://palfcul.org/?p=14174




