في حصة العلوم رسمت المعلمة خط يقسّم السبورة الي نصفين، كتبت في النصف الأول (الأشياء الحية) ومقابلها في النصف الثاني كتبت (الأشياء غير الحية)، وقبل أن تلتفت قفزت الاجابات الى الاصابع الصغيرة، وتعالت الاصوات الراغبة في الاجابة كانت (أحلام) أسرعهم قفزاً نحو السبورة ، اختارت قلم أخضر، ثم كتبت كلمة (شجرة) وقبل أن تنهي أحرفها التفتت نحو الأصحاب وقالت: الشجرة من الأشياء الحية، هي تعطينا الظل والثمر، تعطينا الخير والشكل، هي حية. صفق التلاميذ لها، فعادت جذلى الي مكانها لا تسعها الدنيا فرحاً.
أسرع أيمن للسبورة، نقل نظره بين جزئيها، وقف لحظة, ثم حسم الأمر وخط كلمة (كرسي) في خانة الأشياء غير الحية ثم قال: ، نحن نجلس فوق الكرسي فلا يتألم، فوقه نقف أيضاً فلا يشكو ولا يغضب، هو يغرينا بالتمسك به، فلا نقدر أن نتخلى عنه، لكنه لا يأكل ولا يتنفس، يتقبلنا كما نحن دون أن يفكر، لهذا فإن الكرسي من الأشياء غير الحية. ضحك التلاميذ من خفة دم أيمن، ثم صفقوا له أيضاً.
رغبت سلمى أن تشاركهم فتحركت من مكانها، كانت في خطوها تتعثر لكنها أصرت أن تصل بنفسها الي السبورة لتشاركهم وتقف معهم، تعلقت اعين الكل بسلمى فسلمى لا تحسن الوقوف دون عكازها، وتعجز قدميها عن حملها، لكن ذكائها يشفع لها وينسينا انها عنا تختلف، كتبت سلمى كلمة (أرنب) في ركن الأشياء الحية، ثم التفت نحو الفصل وقالت بصوت ممزوج بالثقة: الأرنب يجري ويقفز في كل مكان، هو يأكل العشب ويتنفس، هو يشرب وهو يلعب، هو لا يخشى المسافات، ويسابق الكل ليفوز، الأرنب من الأشياء الحية، صفق الفصل لسلمى.
قفز أحمد للسبورة، أخذ كل الأقلام في يده، مسح الخط الفاصل، ثم زاد مساحة الأشياء الحية، صمت الفصل وأخذ الكل يتابع يد أحمد وهو يرسم خطوط طويلة، تتعرج وتنحني وتتمازج ومن ثم تتشابك في شكل مرح يرسم حلم، يرسم أمل، يرسم بسمة، صمت الأطفال وأنتظروا، ثم تهامسوا: ماذا يرسم علي السبورة؟ ماذا يفعل؟ ضحكت مريم بصوت عالٍ وصاحت: أحمد لا يعرف ماذا يفعل، نحن لسنا في حصة جغرافيا، فلماذا ترسم خريطة الوطن العربي؟؟
ضحك التلاميذ وتصايحوا: أحمد لا يعرف ما يفعل!!
وحدها المعلمة من صفقت لأحمد وقد رسمت بسمة رضا على وجهها، فأحمد يعرف ماذا يفعل. انتهى أحمد من رسمته، ثم كتب بخط منمق كلمة (وطني الاكبر)،
التفت بوجه مشع وقال لأصدقائه: وطني العربي أجمل وطن، هو قلب العالم كله، وكل قلب لابد أن ينبض، وطني حضن دافئ يحميني، وكل حضن هو ملجأ، وطني أملي وملعبي، هو كل تاريخي وحاضري ومستقبلي، وهذه من صفات الأشياء الحية، لذلك فإن وطني العربي هو من الأشياء الحية. صفق التلاميذ لاحمد.
قفزت بيسان للسبورة. أخذت القلم من يد أحمد واختارت أجمل بقعة في قلب خريطته ورسمت قبة المسجد الأقصى، وبحثت عن بقعة في شرق الأقصى وكتبت في جانب الأشياء الحية (بيسان) ضحك الأطفال، وعلقت رجوى: (بيسان توقع باسمها على خريطة أحمد). ضج الفصل بالضحك، فالتفت بيسان إليهم قائلة: (بيسان هي مدينة عربية من أقدم مدن فلسطين، هي الآن محتلة لكنها سترجع لنا يوما، وسنرجع نحن إلى حينا).
صفق الأطفال بحماس، وحيوا بيسان على اختيارها فقد عرفوا أخيراً معنى الاسم الذي تحمله.
جاء دور خالد ليرسم، وقف خالد أمام السبورة لحظة، ثم اختار ألوان أربع: أحمر وأسود وأخضر وأبيض، وتحت خريطة الوطن الأجمل رسم علم فلسطين المزهر، ثم قال: (العلم رمز العزة عندنا، هو دوماً يخفق بالأمل، إنه يرسم حلم العلا، ويرسم في السماء صورة المجد، نحن من سيحمي الوطن, ونحن من سيعلي العلم، هو الرمز وهو العلم، وهو من الأشياء الحية).
بدأت الصورة في أبهى شكل، لكن ينقصها أعلام أخرى، وقبل أن تقول المعلمة شيئاً تسابق التلاميذ لرسم أعلام الوطن العربي، واختار كل واحد علم فأحاطت كل الأعلام بخريطة أحمد، تلونت السبورة بلون الأمل، وتزينت بحلم الوطن الأكبر.
نظر الكل إلى أياد القابع في أقصى الفصل ينتظر، فأياد لا يحب أن يشارك أحد، لكن صياح الأطفال ونداءاتهم له أغرته فقفز قفزاً للسبورة، ثم أخذ لون الشمس، وبيده الصغيرة رسم حول الخريطة والأعلام مربع كبير أحاط بالشكل وإحتوى كل الأحلام المرسومة، ثم كتب تحت مربعه في خانة الأشياء الحية: علم واحد .. حلم واحد..




