18 January, 2026

غزة……مشروع فدائى – بقلم نجوى علوان

كان وقت الظهيرة والشمس حارقة ، وصف طويل من السيارات الجميع ينتظر دوره في التفتيش ،داخل إحدى السيارات كان محمد خلف المقود في نقطة التفتييش كالمعتاد ،كان يتصبب عرقاً، ترتعش يده وهو يحاول أن يمسك بيد زوجته الجالسة بجواره يحاول بصوت مرتعش أن يطمئنها

محمد : ريم لا تقلقي دقائق وسنصل إلى المشفى

ريم وهي تكتم صرخاتها بصعوبة : لقد سمعت هذه الجملة خلال الأربع تفتيشات السابقين آآآآآه ، اخشى أن تموت طفلتي.

محمد وهو يشعر بالخزي والهوان والضعف لعجزه عن رفع هذا الظلم عن زوجته : اعتذر منك ولكن اطمئني ابنتنا ستولد بخير إن شاء الله لا تقلقي

ريم : أنا أنتظر هذه اللحظة منذ سنوات ،واخيرا استجاب الله لدعواتنا وسنرزق بطفلة، أرجوك افعل شيئاً لا استطيع الصمود أكثر من ذلك

هنا قطع كلامها صوت دق على النافذة المجاورة لمقعد زوجها ،تحدث الجندي الصهيوني باللغة العربية بصعوبة شديدة ظل دقائق يفتش في أوراق محمد ودقائق أخرى يفتشونه تفتيشا ذاتياً كل تلك المشاهد أمام أعين زوجته الحامل في شهرها الأخير بعد سنيين من محاولتهم الإنجاب ،لم تستطع ريم كتم صرخاتها أكثر وأخيراً أخرجت صرخة مدوية هزت الطريق بأكمله ،هل هي صرخة من شدة ألم المخاض ؟ ام صرخة من شدة ألم الهوان والضعف والخزي التي ترى فيه زوجها يعامل هكذا بدون أي آدمية داخل أرضه؟؟!

بمجرد سماع زوجها لصوت صرختها خر راكعا على ركبتيه يتوسل لهذا الجندي الصهيوني يترجاه ودموعه تنهمر على وجهه كالمطر .

محمد : أرجوك دعنا نمر فاوراقنا سليمة وقد تم تفتيشنا أكثر من مرة، ثم نظر إلى زوجته التي تتألم بأعين دامعة 

محمد : زوجتي في وضع المخاض وقد تلد في أي لحظة أرجوك دعنا نمر.

أتت جندية من الخلف وتحدثت إلى زميلها : دعهم يمرون لا قد تأذت أذناي من صرخاتها المستمرة،واخشى أن تلد هنا وتلوث الطريق بدماء جنينها.

الجندي وهو ينظر إلى زميلته وهو يضحك : حسنا من أجل أذناك سأجعله يمر.

ظلت ريم تمرر يدها على وجه زوجها الجالس بجوارها تمسح دمع عينيه وهي تبكي ألما

محمد : لا بأس أنا بخير

وضع يده على بطن زوجته وقال : تحملي قليلاً ياابنتي كدنا أن نصل ،لم يتبقى سوى القليل.

داخل حجرة ناصعة البياض جلست ريم على سريرها وبجوارها زوجها حاملاً ابنته الصغيرة وحولهم جميع أقاربهم سعيدون لفرحتهم.

محمد مخاطباً زوجته: هيا أخبريني أي اسم قررتي أن نطلق عليها

ريم وهي تحمل ابنتها من زوجها وتضم يدها الصغيرة وتقبلها : غزة،قررت أن اسميها غزة

محمد : أتمنى أن تصبح ابنتي صامدة وقوية مثل مدينتنا المحتلة……..

داخل حديقة منزلهم الصغير كانت ريم مع ابنتها يلعبان سويا ،ريم بصوت عالي وهي تصرخ : محمد محمد

محمد

محمد يخرج راكضا لحديقة منزلهم : ما بك ماذا حدث؟

ريم : انظر…

كانت غزة واقفة على قدميها ولأول مرة تخطو خطواتها الأولى ،بكى والدها فرحا وظل يشجعها: هيا يا محاربتي الصغيرة تقدمي نحوي هيا تعالي إلى والدك

غزة ولأول مرة وهي تتهته : بباااا باباااا ببباااا

محمد وهو يحضنها ويدور بها : هيا أرغب في سماعها مراراً وتكراراً رددي بابا بابا بابا.

ريم : لا أصدق ما أسمع هل قالت للتو بابا

محمد وهو يضحك : لا تحزني بالتأكيد سيأتي يوماً ما وتنادي اسمك…

أمام بوابة الروضة وقفت ريم وهي تمسك يد صغيرتها التي تحمل حقيبة صغيرة على ظهرها

محمد : هيا يا ابنتي ندخل لقد تأخرنا بالفعل

غزة : أمي هيا ادخلي معي أنه يومي الدراسي الأول

ريم : ليس بعد يا صغيرتي، محمد هيا اجلب الكاميرا من السيارة يجب أن أوثق أول يوم لطفلتي الغالية في مسيرتها التعليمية 

قامت الأم بتوثيق فيديو لابنتها وهي تصورها 

ريم : غزة اخبريني ماذا ترغبين أن تصبحي عندما تكبرين 

غزة وهي تضع اصبعها على رأسها لتفكر : أريد أن أصبح طبيبة 

ريم : ولما طبيبة بالتحديد؟

غزة : حتى أعالج واخفف الألم عن الجميع بدون مقابل .. …..

داخل منزلهم الصغير ذو الطابقين  كانت غزة تركض على الدرج بفستانها الأبيض وشعرها الأسود الطويل يتطاير من خلفها وعيونها التي تشبه لونها لون غروب الشمس ،وقفت أمام المرآة تتهندم نفسها للمرة الأخيرة قبل خروجهم .

غزة : أميييييي هيا سنتأخر

ريم وهي تنزل من أعلى الدرج وتلف حجابها : لست أنا يا طفلتي من يسبب تأخيرنا

غزة : أولا أنا لست طفلة أنا اليوم أتممت المرحلة الابتدائية ثانياً أنت لم ترتدي حجابك بعد

ريم : وأبيك أيضا مازال يرتدي ملابسه

محمد : لقد أتيت

ريم: وأنا أيضاً انتهيت هل أنت سعيدة الآن

غزة : وأخيراً،هيا بنا

ريم : انتظري هدية عيد ميلادك

غزة في انبهار وتعجب : ما هذا !!!

محمد وهو يخرج من داخل علبة هدايا حذاء وردي لامع : إنه الحذاء الذي أعجبك منذ عدة أيام ونحن داخل المحل

غزة وهي سعيدة : شكراً جزيلاً لكما لم اتوقع ان تلاحظا إعجابي يومها بهذا الحذاء

ريم وهي تقبل طفلتها : حبيبتي بل نحن من نشكر الله يوميا لكونك ابنتنا .

جلست الصغيرة وكلا من والديها يمسك قدماً ليلبساها حذائها وهما فخورين بابنتهم.

….داخل قاعة مدرسية وقفت مديرة المدرسة حاملة شهادة تقديرية ونادت وهي تحمل الميكروفون : والآن حان وقت تكريم الطالبة المثالية والمتفوقة الحاصلة على المركز الأول في المرحلة الأساسية الابتدائية الطالبة غزة محمد.

ركضت غزة بحذائها الوردي اللامع وفستانها الأبيض نحو منصة التكريم لتستلم شهادتها تحت تصفيق حار من الجميع وزغاريد أمها وصفير صديقها حمزة محاولا تقليد أبيها 

بكى والدها فخراً لتفوق صغيرتهم.

عادت الأسرة الصغيرة إلى منزلهم ليحتفلا بتفوق ابنتهم وأيضاً بعيد ميلادها الذي صادف يوم تكريمها ،وأقاموا حفلاً صغيراً في حديقة منزلهم مع الجد والجدة والخالات والأعمام وبعض الجيران أحضرت الأم قالب من الكيك والتف الجميع حول الصغيرة والتقطوا الكثير من الصور لتخليد تلك اللحظات السعيدة القصيرة ، أكلا الجميع وسط سعادة غامرة ركضت غزة  في الحديقة مع جارهم حمزة

جلست غزة على ارجوحة صغيرة معلقة على شجرة في حديقتهم : حمزة أخبرني هل عاقبك والدك

حمزة : ولما يعاقبني

غزة وهي تضحك : ربما لحصولك على المركز الأخير اليوم.

حمزة : هذا ليس سبباً كافياً ليتم عقابي

غزة في تعجب : يا لك من ولد مدلل

حمزة بغضب : أولا أنا لست ولدا ،وانا ابنهم الوحيد ولا يعاقباني على تأخري الدراسي .

غزة : لا تحزن أنا امزح معك يا ولد

حمزة وهو يغادر متأففا: مزاحك سئ لن أجالسك بعد الآن

غزة وهي تركض خلفه: اعتذر منك أنا أمزح معك،هلا سامحتني؟

حمزة مبتسماً لها : لا أستطيع أن أرفض لك طلبا ،ولذلك لقد عفوت عنك

غزة: وأنا بالمقابل قررت أنا اذاكر معك لأساعدك في دراستك

حمزة: أنت تمزحين أليس كذلك ؟!

غزة:  بالطبع لا

حمزة: حسنا لأخبر أهلي بذلك سيسعدون كثيرا

غزة راكضة خلفه في حديقة منزلهم: انتظرني سآتي معك

اقتربت ريم من والدتها: أمي سأذهب إلي بقالة العم أحمد

حمزة : ريم انتظريني أرغب في الذهاب معك

غزة مبتسمة : لا سأجلب لك معي الكثير من الحلوى انتظرني هنا

محمد : غزة انتظري

غزة عند بوابة الحديقة وهي تنظر مبتسمة إلى الجميع ومن ثم إلى والدها : سآتي بعد دقائق يا أبي لن اتأخر.

…..داخل قاعة مدرسية والمديرة تحمل شهادة تقديرية : رحبوا معي بالطالبة المتفوقة الحاصلة على المركز الأول في الشهادة الثانوية: غزة محمد

وقف حمزة بجانب والدها وقد أصبح شابا وسيما يصفر مع والدها ويصفق لتشجيعها بينما تعالت صوت زغاريد أمها في أرجاء القاعة وهي فخورة وسعيدة بتفوق ابنتها.

عادوا جميعاً إلى المنزل ليحتفلا بنجاح ابنتهم

محمد : هيا يا ابنتي أخبريني ،أي كلية ستلتحقين

غزة : كلية الطب يا أبي

ريم : هذا حلمك منذ الطفولة الحمدلله على كرم الله وفضله في تحقيق حلمك يا ابنتي .

محمد محدثاً حمزة : وأنت يا بني ماذا قررت

حمزة ممازحا : قررت أن أكون زوج ابنتكم

ريم وهي تضحك : اعتذر منك ابنتي أمامها مسيرة تعليمية حافلة

حمزة بجدية : سأنتظرها حتى الممات.

محمد : يا بني  أقصد ماذا قررت أن تتخصص

حمزة : في مجال التدريس إن شاء الله 

ريم : وفقكم الله يا صغاري……

……

داخل حديقة منزلهم كان والداها يتناولان طعام الفطور خرجت عليهم غزة قبل أن تذهب لأول يوم عمل لها

محمد : لا أصدق عيناي

ريم : وأنا أيضاً وأخيراً تخرجت ابنتي وأصبحت طبيبة

محمد: غزة أصبحت أكثر جمالاً في البلطو الأبيض يا ابنتي

غزة : أبيييييي كفى ،لقد اخجلتموني

ريم : بمناسبة الخجل اليوم سيأتي العم أبو حمزة ليحدد معنا موعد زفافكما

ريم وهي تبكي وتمسح دمع عينيها بيديها : لا أصدق أن ابنتي أصبحت عروس وسأراها بالفستان الأبيض……

(على أريكة رماديه مدت امرأه يدها بمنديل نحو ريم والكاميرات حولهم تصور حوارهم وقالت المذيعة : أعتذر أن حلمك لم يتحقق

ريم وهي تمسح دموعها وبيدها الأخرى تحمل حذاء ابنتها الوردي الملطخ بالدماء : لا بأس هذا حال جميع أطفال غزة ،فاطفالنا لا يكبرون حتى يحلمون أطفال غزة يموتون صغار

المذيعة : هلا نكمل حديثنا

ريم : أخبريني ماذا تريدين أن تعرفي؟

المذيعة : كيف ماتت غزة؟

نظرت ريم على الحائط عاليا تطلعت على الصورة المعلقة ،صورة ريم بفستانها الأبيض وحذائها الوردي ليلة حفلة عيد ميلادها والاقارب والجيران حولها وحمزة بجوارها ينظر إليها وقالب الكيك أمامهم صورة من الماضي مليئه بالبهجة والسعادة التي لم تدوم سوى عدة سويعات

تنهدت ريم في بكاء مرير وهي تشير نحو الصورة وتقول : في هذا اليوم احتفلنا بتفوق غزة في المرحلة الابتدائية وأيضاً بعيد ميلادها وقتها رغبت في الخروج إلى البقالة المجاورة لشارعنا ،ذهبت ابنتي ولم تعد،لم أتخيل قط أن ذكرى ميلادها ستصبح هي نفسها ذكرى وفاتها

المذيعة : وكيف ذلك أنها طفلة صغيرة؟مجرد طفلة .

ريم : المحتل الصهيوني لا يميز بين الصغير والكبير ،كانت ابنتي حينها تمشي بجوار سيارة حتى القى العدو بقنبلة مدوية على السيارة

المذيعة ببكاء : وما تبرير ذلك

ريم وهي تبتسم ساخرة : هم ليسوا بحاجة لتقديم تبرير،

سرحت ريم قليلاً ومن ثم أكملت : لكنهم حينها قالوا أنه حدث خطأ لقد ظنوا أن داخل السيارة عناصر من المقاومة

المذيعة : وماذا حدث بعد ذلك

ريم وهى تضحك : كانت السيارة فارغة 

انهارت ريم في البكاء : تحولت ابنتي إلى أشلاء من أجل سيارة فارغة

حملت حذاء ابنتها الوردى الملطخ بالدماء وهي تبكي : هذا ماتبقى من ابنتي حذائها مع بعض الأشلاء

المذيعة : يمكنك أن ترتاحي قليلاً حتى أجري حوارا مع والدها

مسحت ريم دمع عينيها : هذا مستحيلاً

المذيعة: ولما لا؟

ريم : بعد مقتل ابنتي الوحيدة ،قرر زوجي الانضمام إلى المقاومة قال لم يعد لحياتي هدف فلأجعل عالاقل نهايتي مفيدة

المذيعة : هل انضم إليهم للانتقام

ريم بغضب : بل قرر أن يكون فدائي للوطن من أجل أن لا ييتم أطفالنا ولا تحرم أمهات من أطفالهم الصغار،من أجل أن تحرر أرضنا ، أنه يقاوم من أجل العيش بكرامة ، يقاوم من أجل الحرية والسلام

الحريه أولا ومن ثم السلام….

Font Resize