1 February, 2026

علَّمتْنا غزَّة – بقلم إيمان زهدي أبو نعمة

علَّمتْنا غزَّةُ أنَّ انتصارَنا ليس مستحيلًا؛ وأنَّهُ ممكنٌ لو امتلكنا الإرادةَ القويةَ واليقينَ بوعدِ اللهِ، فقد وجدنا أبطالًنا يخرجونَ من الأنفاقِ بملابسَ بسيطةٍ دونَ بدلاتٍ ونياشينَ يصنعونَ البطولاتِ، ورأيناهم يحتفظونَ بعددٍ كبيرٍ من الأسرى رغمَ التطورِ التكنولوجيِّ لدى العدوِّ وأعوانِهِ.

علَّمتْنا غزَّةُ أنَّ الشِّدَّةَ تصقلُ الإنسانَ؛ وتُظهرُ ما كَمَنَ من قوتِهِ الداخليةِ، فرأينا أطفالَنا يعرفونَ أنواعَ الأسلحةِ وخططَ العدوِّ وأساليبَ الاختباءِ منهُ، ورأيناهم يجمعونَ الحطبَ ويحملونَ أوعيةَ المياهِ لمسافاتٍ طويلةٍ، ورأينا نساءَنا خنساواتِ العصرِ يصبرنَ على مصابِهنَّ سائلاتٍ اللهَ العوضَ والمواساة.

علَّمتْنا غزَّةُ أنَّ الحريةَ التي كان ينادي بها الغربُ أكذوبةٌ، فرأينا طلّابَ الجامعاتِ الأوروبيةِ المطالبينَ بإنهاءِ الحربِ يُسجنونَ، والصحفيونَ والمثقفونَ الذين ينادونَ بمحاكمةِ العدوِّ يُقالونَ، وحقوقَ الإنسانِ التي صدّعوا رؤوسَنا بها لا تنطبقُ على من ينادي بحقوقِنا، وكأنَّنا نعاجٌ يحقُّ للعالمِ أن يذبحَنا، ورأينا عدوَّنا يتبجَّحُ بعدوانِهِ أمامَ الشَّاشاتِ فما ردعَهُ مجلسُ الأمنِ، ولا محكمةُ العدلِ الدوليةِ ولا مواثيقُ حقوقِ الإنسان. غزَّةُ باختصارٍ كشفتِ القناعَ عنِ العالَمِ المنافق.

علَّمتْنا غزَّةُ أنَّ في صدورِ الرِّجالِ أُسودًا رابضةً، وأنَّهُ متى تهيأتْ لها الظُّروفُ أعادتْ أمجادَ الصَّحابةِ، فرأيناهم يهبُّونَ للجهادِ مسرعينَ كالذاهبِ لملاقاةِ عروسِهِ دونَ تقاعسٍ أو تكاسلٍ، يواجهونَ العدوِّ بكلِّ بسالةٍ وثباتٍ.

  علَّمتْنا غزَّةُ أنَّ الأزماتِ تُسقِط الأقنعةَ، وتكشفُ الوجوهَ على حقيقتِها، فكم من شيخٍ حسبناهُ قدوةً فإذا هو متخاذلٌ متقاعسٌ! وكم من حاكمِ حسبنا فيهِ ذرَّةَ خيرٍ فإذا هوَ ذو لسانٍ ملجومٍ عن قولِ الحقِّ! وكم من شعوبٍ حسبْناها ستقفُ معَنا فإذا هي مقيَّدة ٌخذلت قضيَّتَنا. فكانت هذه المعركةُ كاشفةً فاضحةً لكثيرٍ من النخبِ الذين صاروا خارجَ محلِّ التأثيرِ عاجزينَ عن رسمِ ملامحِ الصِّراعِ.

علَّمتْنا غزَّةُ أنَّ لها سحرًا عجيبًا، تجعلُ كلَّ من خرجَ منها يشتاقُ لها، ويحنُّ للعودةِ إليها، ويتمنَّى لو تُكسَرُ الحدودُ وتُمهَّدُ طريقُ الهدنةِ وتنتهي الحربُ كي يعودَ لأحضانِها، رغمَ أنَّهُ يعلمُ أنَّهُ لن يعودَ إلى بيوتٍ قائمةٍ ولا إلى شوارعَ معبَّدةٍ، بل سيعودُ لمدينةٍ لا يعرفُها عمَّها الدَّمارُ والخرابُ ونالت منها آلةُ العدوِّ. إنَّها عادةُ الأوطانِ أن تشدَّنا إليها كلّما ابتعدَنا عنها.

رابط مختصر :https://palfcul.org/?p=14193

Font Resize