قبل أن تشرق ألف شمس ساطعة على ملايين البحار حول العالم،
نظرت إلى نفسي في إحدى شظايا الزجاج المتناثر وسط خرائب حياتنا داخل غزة المحطمة التي تعاني من الخذلان والحيرة.
لاكتشف أن ملامحي التي عكستها قطع الزجاج تغيرت أصابها الوهن، لم يعد وجهي مشرقًا تزينه الابتسامة، أسفل عيني سواد بلون الحداد.
برزت تجاعيد حول فمي، امتدت في خطوط متشعبة، وصولًا لجبهتي تشبه طرقات حياتي المهدمة لحد كبير.!
مسحت قطعت الزجاج المدببة بطرف عباءتي المتهرئة، أقربها من وجهي وأبعدها عنه، وسط ضوضاء حياتي التي أجاهد في تجاهله، صراخ هنا ونحيب هناك، وأزيز طائرات الاستطلاع الذي يفسد سكينتنا جميعا.
بمجرد سماعه ندرك أن أحدنا سيصبح هدفًا بعد قليل، كل ما في الأمر أن هناك من أسعدهم الحظ وهاجروا للسماء جماعات، ونحن هنا على قائمة الانتظار والانتظار مميت.!
من منا سيدفن الأخر أنا أم أبنائي.؟!
من منا سيصبح طعاما للكلاب الضالة والقطط بالشوارع.!
هل سنرزق بميتة هادئة لا تؤلم أحدًا ممن نحب.
أم ترانا سنفارق بطريقة غير معتادة لنسبب ألمًا أبديًا لمن نحب.
تجاهلت أزيز الطائرة الذي يقترب، اكتشفت إني مازالت ارتدي حول عنقي سلسلتي الفضية التي أحب.
لم تكن مجرد سلسلة، أنها لوحة فنية، قصة بحد ذاتها، القلادة التي تتوسطها عبارة عن قفص لعصفور.
والعصفور ذاته في منتصف السلسلة على يمين القفص أحرك القفص بعيدا عن العصفور، لأمنحه المزيد من الحرية بعيدًا عن جدران القفص.
أجده يقترب من القفص وكأنه يهاب الحرية، هل خلق مثلي محاصرًا داخل غزة الحزينة، أهي لعنة ألقيت علينا نحن سكان غزة، أن نحاصر كالعصفور، تبدو الحرية على بعد خطوة منا، لكن بقدر قربها يكون المستحيل.
أفتش داخل دفاتري وكتب التاريخ عن الذنب الذي اقترفناه لنلقى ما نلاقيه، يخذلني الحبر، الذي محته الأيام، كما تخذلني الذكرى.
احضن كتابي بيميني، عسى أن يدخلني الجنة بهمومه الثقال، افتحه أجده محترقًا، ولا يبقى منه سوى بضع كلمات مبعثرة الحروف بطول الكتاب،
اجمع الحروف، “إن مع العسر يسرا”، أجيد لعبة الكلمات المتقاطعة، لكنها ليست لعبة، وما أحاول تجميعه ليست كلمات مقتطعة، إنما هي حروف متناثرة، كأشلاء حياتنا داخل جدران أنفسنا المكلومة وأرواحنا الحزينة المعذبة، التي أصابها الوهن والجمود.
أعيد تجميع الحروف مرة أخرى، أراها تشع بنور أبيض يتراقص بفرح “وما النصر إلا من عند الله”.
الله.!!
ألم تكتفي يا الله…!!
بقي أن تملأ دماءنا البحار، حتى يشفع فينا الأنبياء، هل عصيناك بهذا القدر، هل نستحق كل هذا الخذلان والحزن والانكسار يا الله؟!
“إن الله مع الصابرين”
أرددها بغير اقتناع رغما عني.
أتأمل السلسة مرة أخرى، ابتسم عندما أبعد العصفور عنوه عن القفص آمره بالهروب، بالتحليق في السماء.
يعاود الاقتراب من القفص يبدو أنه يبحث عن منزل مثلي
كن بالقرب إذن أيها الصديق.
يقترب صوت الأزيز أكثر.
يهتف الأطفال وهم يبحثون عن مكان للاختباء على شاطئ بحر مدينة رفح، “عادت الزنانه مرة أخرى، اختبئوا”.
انظر حولي أرى نصف عين داخل قطعة الزجاج المضبب،
أرى العصفور يحلق في السماء على عجل، لقد تحرر أخيرًا، من سجن القيد حول رقبتي أتلفت حولي، أرى تصاعد أعمدة النيران وريشاته
تحترق، لتبتلع الدوامة جسده الهزيل، حاول الهروب لم يفلح، كلما حاول كلما تكسرت عظامه مرة أخرى، ظل يحاول حتى خارت قواه، فترك نفسه يهوى داخل دائرة النيران التي تتسع وتتسع وتتسع.




