19 April, 2026

رصاصة – بقلم آية مصدق

سقطت أخر ورقة من شجرة عارية تنتصب على حافة الطريق، ورقصت رقصتها الأخيرة مع الرياح، معلنة أن وقت الرحيل قد حان. ثم عانقت الأرض بهدوء قبل أن تتكسر تحت أقدام امرأة ثلاثينية تحث الخطى وتمسح بين الحين والآخر حبات العرق التي تجمعت فوق جبينها رغم رطوبة هذا الصباح الخريفي.توقفت المرأة فجأة، رفعت رأسها إلى السماء وعقدت حاجبيها مترقبة. فقد أخفت السحب الداكنة قرص الشمس، لكن نزول المطر لم يكن هو ما يخيفها. فليس المطر فقط ما ينزل من السماء،

اِنتشلها من لج أفكارها صوته الطفولي وهو ينظر إلى انعكاس ملامحه في بركة ماء راكدة:

_أمي، ماذا سأتعلم في المدرسة؟.

اِحتلت ابتسامة دافئة ثغر الأم عائشة وهي تنظر إلى ابنها محمد، ذو السبع سنوات. تلمع عيناه حماسا

لاِستقبال يومه الأول في المدرسة. انحنت إلى مستواه، وداعبت خده ثم أردفت بحنان:

_ستتعلم القراءة والكتابة يا صغيري، وتصبح طبيبًا أو مهندسًا وتنفع وطنك.

اِتسعت عينا محمد وسأل بحيرة:

_هل هذا وطني حقا يا أمي؟.

 _طبعا، هو كذلك.

_لماذا إذا الطفل الذي يسكن في الحي المجاور ذي الملابس الغريبة يرميني بالحجارة كلما مرررت من هناك أنا وصديقي وليد؟ويصرخ قائلا “ارحلوا من وطننا”؟

أشاحت الأم بوجهها بعيدا ومسحت دمعة خائنة فرت من عينها ثم نهضت بسرعة وأمسكت بيد صغيرها وجرته خلفها مهرولة وهي تخاطب نفسها قائلة

 “لا أستطيع أن أخبرك يا صغيري، لكنك ستتعلم هذا في المدرسة، ستتعلمه حتما”.

توقفت الأقدام المسرعة أمام بوابة حديدية صدئة حفرت عليها أثار طلقات نارية قديمة من خلفها

تنتصب المدرسة كشبح، عبثت بها هي الأخرى، الطلقات تحيط بها، حديقة تشي بالاهمال، كانت المدرسة هادئة بشكل غريب ومخيف إلا من ضحكات أطفال في سنِّ محمد. أما الذين يفقونه سناً كانوا أكثر هدوءًا وأقل ضحكًا. إختبأ محمد خلف أمه وتشبث بثوبها، لكنها طمأنته بابتسامتها الدافئة، رغم أن ثقلًا غريبًا يجثم فوق صدرها. ثم إنحنت إليه وضمته بقوة حتى شعر الطفل بحرارة أنفاس أمه وهي تلامس وجنتاه الباردة، كان عناقًا قويًا ودافئًا كأنه العناق الأخير مررت خلاله الأمُّ عائشة شريط حياتها المليء بالانتظار، انتظار ما لا يأتي، ألم الفقد ومرارة الوحدة، إلى أن خرج ذلك الأمل من رحمها، بعده أصبح للحياة مذاقٌ آخر، مختلف تمامًا. أصبح لديها سبب للعيش بعد موت زوجها وعائلتها. هذا الأمل كان محمد، كانت شديدة الخوف عليه، حتى أنها لم تخبره بموت والده فاكتفت باخباره أن والده بطل، ذهب ليحارب الوحوش وينقذ الأبرياء، وهذه ليست كذبة بالنسبة لها، فوالده بطل فعلاً، لكنها أخفت عنه الجانب الأخر من الحقيقة، الجانب الأكثر ظلامًا لقد قُتل بينما يصارع تلك الوحوش

لقد كان والده مقاوما.

_أمي، سأختنق!!.

قطع حبلُ أفكارها مجددًا، غمغمة صوته وابتعدت عنه وظلت تحدق في عينيه البريئتين، وقالت الأم بنبرة جادة

_عليك أن تحسن السلوك وتركز في الدرس لأطبخ لك الطعام الذي تحبه في المساء.

طبعت قبلة على خده ثم همّت بالمغادرة، حتى وقعت عيناها عليها، فوهة سلاح موجهة نحوهما. أمسكت بذراع ابنها وركضت بسرعة إلى زقاق فارغ، لكن ذلك القناص فوق البناية سرعان ما حدد هدفه وضغط على الزناد. فانطلقت تلك الرصاصة ولن يمنعها شيء من الوصول إلى هدفها. أما الأم فلم تسمح بأن يكون الهدف إبنها الوحيد، فصرخت باسمه ووقفت أمامه تحميه لتمزق الرصاصة الخائنة جسدها، ثم تبعتها أخرى وأخرى حتى ثقب جسد الأم بالكامل وسقطت غارقة في بركة من الدماء، وسقطت معها رصاصة سمع، محمد صوتها وهي ترتطم على الأرض.

جثا الطفل على ركبتيه، يرتعش خوفًا، أما أمه فقد جحظت عيناها وتغير لون شفتاها، وأصبحت تتنفس بصعوبة، اقترب منها ولمس وجهها البارد الملوث بالدم والتراب وقال بصوت متحشرج:

 _أمي ماذا حصل لك؟.

تسللت كلماتها المتقطعة من بين شفتيها الملوثة بالدماء:

  هذه حقيقة ما نعيشه،إياك أن تسمح لأحد بطردك ثانية، هذا وطنك إياك أن تنسى هذا، أحبك جدًا.

ثم فارقت الحياة، وماتت معها الكلمات في حلق الطفل الصغير، وفي تلك اللحظة، دوى إنفجار قوي هز الأرض وأفزع الطيور وحجب وجه السماء برداء ثخين من الدخان، ثم توقف

.الزمن لثواني. وخيم هدوء مريب على المكان حتى إنطلقت أولى الصيحات التي مزقت أحشاء الصمت

 ثم تبعتها صيحات فزع متتالية إنطلقت من كل اتجاه. وتداخلت الأصوات، بين من يبحث عن والده، ومن يبحث عن جثة ابنته، ومن لم يجد بقايا جسده. سيارات الإسعاف تنعق وسيارات الإطفاء تلهث تحاول ترويض النيران، وبناية انهارت على رؤوس ساكنيها وبقايا الحجر والشجر وأشلاء بشرية كلها مبعثرة في الطريق بشكل مرعب، كأنها القيامة. تلك دمية ممزقة تمسك بها طفلة صغيرة غارقة في دمها، وتلك تفاحات خضراء تتدحرج من كيس كان صاحبه عائد به من السوق من أجل عائلته، ابنه كان يحب التفاح الأحمر، لكنه لم يجد سوى الأخضر والآن أصبح أحمرًا بالفعل. لم يكن هنالك شيء سوى الدمار والأشلاء ورائحة الدم المختلطة برائحة لحم بشري محروق. كان محمد بعيدًا عن الانفجار، فقد أنقذته أمه للمرة الثانية، إنعكست ألسنة اللهب المتصاعدة في سواد عينيه واستطاعت إحدة الشظايا المتناثرة خدش  ذراعه لكنه لم يشعر بها، فمرارة الفقد والإحساس بالرعب كانا يفوقان أي ألم جسدي، حتى لو قطعت يده، لم يكن ليشعر بألمها في تلك اللحظة، ثم إنتفض من مكانه كأنه تذكر شيئًا وركض نحو المدرسة، وهو يتجنب النظر إلى الجثث المرمية على الطريق ويحاول عدم الدوس على برك الدماء. حتى وصل المدرسة وفتح باب أول فصل اعترضه، كان فارغًا هادئًا بقدر الصخب الذي في الخارج، أثر الرصاص بادي على مقاعده وجدرانه المتهالكة، إتجهت نظرات محمد إلى السبورة، كانت هناك مكتوبة بالطبشور

“الدرس الأول”

“فلسطين وطننا الذي سُرق منا والسارق لا يمتلك ما سرقه”

لم يكن يُفقه القراءة لكنه فهم الدرس، فهم أن هذا الوطن وطنه، وطن والدته، وطن صديقه خالد، وعمه أحمد، ووطن الصغيرة صاحبة الدمية، والرجل صاحب الكيس، وطن كل من قتل في سبيله. فمن هذا الذي يتحمل هذه المعاناة من أجل مكان لا ينتمي إليه؟.

إلتقط قطعة طباشير وبدأ يرسم، كان يجيد الرسم وهو وسيلته الوحيدة لتعبير فهو لا يعرف الكتابة بعد. إنتهى من رسمته وسقطت الطبشورة من يده، ثم خرج من الفصل، لم يخرج محمد الطفل ذو السبع

سنوات، بل خرج رجل مقاوم تفيض عيناه دمًا وثأرًا

بعد مضي ساعات، دخل الفصل أحد الجنود، يبحث عن ناجٍ ليقبض روحه فتفاجأ بذلك الرسم على

السبورة. لم يكن علم فلسطين أو رسماً للقدس، كما اعتاد رؤيته في المدارس.

 كان رسماً لرصاصة.

 رابط مختصر :https://palfcul.org/?p=13953

Font Resize