5 February, 2023

حوار// محمد المذكوري: كل ترجمة قراءة… وكل قراءة فهم

حاوره عبد الخالق النجمي

محمد المذكوري مترجم أكاديمي متخصص في اللسانيات ونظرية الترجمة في جامعة الأوتونوما في مدريد. من مؤلفاته.. «التحليل النقدي للخطاب» «نظرية الترجمة» «صورة الآخر».. «العرب في الصحافة الإسبانية». كما ترجم عدة مؤلفات لنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وكذا عدة كتب حول الإعجاز العلمي في القرآن. عن تجربته ومساهماته في إثراء حركة الترجمة من وإلى الإسبانية كان الحوار التالي..

كيف كانت بدايتُك مع عالم الترجمة؟
■ كانت أولى بداياتي في المغرب، عندما كنت في السنة الثالثة من الجامعة، من خلال ترجمة كتاب إسباني حول المسكوكات العربية في الأندلس. كما كنت أتعاون مع المركز الثقافي الإسباني في الرباط، مشرفاً على برنامج كان يعرض في التلفزيون المغربي حول الأفلام والسينما. وعندما انتقلت إلى إسبانيا مارست الترجمة للاستعانة بها على الدراسة. وبما أنني لم أكن وقتها مترجما محلفا، فقد كنت أعرض ترجمتي على من كانوا وقتئذ محلفين للتوقيع عليها بمقابل، وبقيت على هذا الحال إلى أن انتهى بي المطاف رئيسا لجمعية المترجمين والباحثين والمهنيين في مجال الترجمة في المرافق العمومية في إسبانيا.

وما رأيك في الترجمة المُشتركة؟
■ غالباً ما أفضل أن أكون بمفردي أثناء الترجمة. كما أنني في بعض الأحيان أتعاون مع زملاء آخرين، كما أشرفت على مجموعات كثيرة في عدة أعمال ترجمية من قبيل موسوعه «نبي الرحمة» من الإنكليزية إلى الإسبانية. أما في المجال الأدبي فكثير من الترجمات كانت بالتعاون مع بعض الزملاء والزميلات، نظرا لعدة أسباب منها، أن الترجمة الأدبية متعبة جدا، زيادة على أنها تحتاج إلى استثمار وقت كبير في التفاوض مع دور النشر.

ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتك خلال ترجمة أعمال نجيب محفوظ إلى الإسبانية: «كفاح طيبة»و»رادوبيس» و»رحلة ابن فطومة»؟
■ كتابات نجيب محفوظ يمكن وصفها بالسهل الممتنع. يجب على مترجمه أن يكون موسوعة معرفية في الدين والأدب والفلسفة والتاريخ والسوسيولوجيا المصرية، نظرا للإيحاءات الكثيرة التي يستعملها محفوظ كاستراتيجية أدبية. كما أنه أسلوب ظاهره سهل وباطنه تكتنفه السخرية والتهكم اللاذعين، لكن هذين الأخيرين لا يظهران على سطح أسلوبه السردي بل في باطنه. وهذا موضوع يتغافله كثير من المترجمين، ويصلح أن يكون بحثا لرسالة دكتوراه في مقارنة ترجمات روايات نجيب محفوظ مع أصولها العربية.

حدثنا عن ترجمتك لمسرحية «الحمير» لتوفيق الحكيم إلى الاسبانية، وأبرز المشاكل التي واجهتك؟
■ هذه الترجمة كانت بإيعاز من صديقي عبد الفتاح عوض، رحمه الله، عندما كان مديرا للمركز الثقافي المصري في مدريد، الذي اقترح عليّ ترجمتها، وكنت قرأت مسرحيات كثيرة لهذا المسرحي المصري في صباي؛ من قبيل «أهل الكهف» «شهرزاد» و»الأيدي الناعمة» وغيرها، بالإضافة إلى رواية «يوميات نائب في الأرياف» لكن لم يسبق لي أن اطلعت على مسرحية «الحمير» فقبلت تلقائيا، فما إن بدأت القراءة الأولية حتى أدركت أن هذه الترجمة مفخخة، فأكبر مشاكل هذه الترجمة هو ازدواجية اللغة في النص المسرحي، بين عامية مصرية وعربية فصحى. ولم أرد أن أقتل هذه الازدواجية اللغوية المعبرة والوظيفية في النص الإسباني، ما أخذ منى وقتا كبيرا لإيجاد حل مناسب. أما المشكلة الثانية، فهي أصعب في اللغة الإسبانية، رغم بساطتها في اللغة العربية والعامية المصرية. توفيق الحكيم وظف عدة أسماء ومرادفات لكلمة حمار ذات الحمولة الشعبية، مثل (حصحاص) وهي أسماء ذات الحمولة الشعبية لا مقابل لها في اللغة الإسبانية، حيث إن هذه الأسماء ليست فقط أسماء سمى بها المصريون حميرهم، بل لها من الرمزية والتشعبات المعرفية ما لا يدركه إلا من تشبع بالثقافة الشعبية لبلد النيل والصعيد. وهذه كانت من المشكلات الكبرى في الترجمة، أي نقل الاسم ورمزيته إلى الإسبانية. كما أن الحكيم أيضا مثل نجيب محفوظ؛ يستعمل السخرية، لكن سخريته من النوع الواضح المضحك.

يقال إن ترجمة الأعمال التي تحتوي على الأمثال والجمل المسكوكة ذات الحمولة الثقافية من بين الصعوبات الكبيرة التي يواجهها المترجم. ما رأيك؟
■ صحيح، لكن المشكلة في هذه الحالة ليست فقط مشكلة التشكيلة اللغوية وبنيتها، بل الصعوبة الأكبر تتجلى على مستوى توظيف هذه الأمثال والجمل المسكوكة في بناء النص الأدبي. لقد سبق أن نشرت بعض الأبحاث حول الترجمة الآلية لهذا النوع من العبارات بين الفرنسية والإسبانية، وبين العربية والفرنسية والإنكليزية والإسبانية. وكانت نتائج هذه الأبحاث موازية مع ما نلاحظه في ترجمات طلبة الجامعات والمترجمين المبتدئين، الذين يعتمدون على معيار اللغة المعجمية كمعيار وحيد للترجمة. طبعا، اللغة ما هي إلا أداة يمكن استعمالها للتعبير كما لتشكيل الذوات والهويات، لذا فالمشكلة ليست في الأداة في حد ذاتها، بل في تجلياتها وتوظيفاتها. فالأداة يمكن استبدالها بما يوازيها، كأن نضع على سبيل المثال مثلاً إسبانيا مكان مثل عربي، وأن نستبدل عبارة مسكوكة عربية بما يقابلها لغويا في اللغة المترجم إليها. فالمشكلة تحصل عندما تكون هذه التعابير مرتبطة بما وراء اللغة، كالحضارة والتاريخ والدين والثقافة الشعبية وغيرها. على كل حال، هذه الأمثال والعبارات المسكوكة ذات الإيحاءات الثقافية والرمزية، صعبة في مجال الترجمة؛ وهي تشبه عندي مشكلة الجراحة وزرع الأعضاء، حيث يمكن استبدال قلب بقلب وكبد بكبد، لكن لا يمكن استبدال جزء من المخ أو الجهاز العصبي بجزء آخر، لأنه متجذر وله ارتباطات بنيوية يصعب فكها.

هل ترى أن القرآن الكريم يمكن ترجمته إلى الإسبانية، أم يمكن ترجمة فقط معانيه؟ وما رأيك في الترجمات المنجزة للقران؟ وما هي الترجمات التي تراها قريبة من معنى النص الأصلي؟
■ كل ترجمة قراءة وكل قراءة فهم. فعندما يترجم نص معين كيفما كان نوعه فما نترجمه نحن هو ما فهمناه، حسب قدراتنا في التحليل، وما عبرنا عنه حسب قدرتنا على التفكير والتركيب. فالفهم خاضع لمعياري الزمان والمكان، لذا فهو غير مستقر. يعنى أن النص قار والفهم متحول. خذ مثلا أي نص أدبي بعيدا عن المجال الديني، كنصوص شكسبير وموليير وغوته وثرفانتيس، نجد أن نصوصهم واحدة وترجماتها تفوق العشرات للنص الواحد. ماذا يعنى هذا؟ هل المترجم الأول لنص ثرفانتيس إلى الفرنسية أخطأ والمترجم رقم 17 للنص نفسه أصاب؟ أعتقد أن الجواب غير مرتبط بصحة الترجمة أو بخطئها، بقدر ما هو مرتبط بتغيير ظروف استقبال النص وأنماط الفهم المتغيرة. وهذا أيضا ينطبق على تفاسير القرآن الكريم. فهي مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة والأمصار، واختلاف حكامها وأحوال الناس، وكذا الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأيديولوجية. المسألة فقط هي أنه عندما تتغير الظروف الزمكانية يتغير فهم النص نظرا للإسقاطات التي يفرضها الواقع والفكر والتكوين.

سبق أن نشرت العديد من المقالات العلمية والمؤلفات حول تعليم اللغة الإسبانية للطلاب العرب. ما هو تقييمك لهذه التجربة؟
■ نعم نشرت بعضها وكان متعلقا بتعليم الإسبانية لغير الناطقين بها، وكانت تجربة ناجحة إلى درجة أن بعض المهاجرين والدبلوماسيين والطلبة المقيمين في مدريد يستوقفونني في الشارع للسؤال والشكر. كما ن هذه التجربة في التأليف سبقتها تجارب أخرى في بعض دور النشر المختصة في نشر الكتب المدرسية الموجهة لطلبة المرحلة الإبتدائية والثانوية في المدارس الحكومية الإسبانية. كما سبق لي أن تعاونت في نهاية التسعينيات من القرن الماضي مع الإدارة العامة لدعم التربية والتكوين في حكومة مدريد المحلية في مراجعة الكتب الأجنبية الموجهة لتدريس اللغة والثقافة الأصلية لأبناء المهاجرين، وهذا الكم التراكمي والمعرفي الميداني والتطبيقي هو الذي ساهم في ظهور هذه الكتب بالصيغة التي اطلعت عليها. كما أن جامعة وارسو في بولندا نشرت لي كتابا بالتعاون مع بياتريث سوتو يحمل عنوان: المدرسة والهجرة: التجربة الإسبانية، وهي مقاربة نوعية لإدماج أبناء المهاجرين في المنظومة التعليمة لدول المهجر.

هل ساهمت دراستُك وتدريسُك للّغويات في الحصول على الكفاءة الترجمية بين العربية والإسبانية؟
■ أكيد، كلغوي أعتقد أن اللغة هي الأساس في ترتيب كل إشكالات المجتمعات وتشكيل الهويات. اللغة ليست كلاما تذروه الرياح، فاللغة والكلام هي نقطة البداية والنهاية في تشكيل الهويات الفردية والجماعية. إن الأذان في أذن الولد وتلقين الشهادة للمحتضر لم يأتيا اعتباطا، كما أن إنشاء المؤسسات بما فيها مؤسسة الزواج، تبدأ بقبول وإيجاب، وهما مظهران لغويان تنبني عليهما سعادة البعض وتعاسة البعض الآخر، كل حسب قسمته ونصيبه، لكن حركات اللسان بين الفكين وتقطيعها للهواء الرئوي الذي يخرج أصواتا ذات معاني هو السبب في كل ذلك. كما أن الحث في النسق الإسلامي على حصائد الألسنة لا يمكن فهمه إلا داخل هذا النطاق لما للكلام من أهمية في بناء الأفراد والجماعات. إن الكلام ليس هواء يذهب مع الريح، بل إنه ينقلب إلى مادة لما يحدثه في الأفراد والمجتمعات. هذا التفكر في اللغة يساهم لا محالة في الحذر الترجمي من إطلاق اللسان على عواهنه، بل يلزم بالتمحص والتفكر في ما يفهمه المتلقي وكيف يفهمه.

المصدر: القدس العربي 

رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=6365

Font Resize