فايز أبو عيد
“لم أكن أحتاج إلى محقق خاص، ولا إلى من يرسل لي صورة عن المنشور، ولا إلى برامج معقدة لكشف الحقيقة، كل ما في الأمر أنني فتحت هاتفي، وتجولت كعادتي في فيسبوك، فصادفت نصًا أعرفه جيدًا… أعرفه حدّ أنني كتبته بنفسي، ممهوراً باسم صديقي، عجباً ما القصة؟
صديقي لم يُجهد نفسه كثيرًا، لم يُغيّر الفكرة، ولا اللغة، ولا حتى الأخطاء الصغيرة الناجمة عن السرعة في الكتابة والتي كنت أؤجل تصحيحها، ولا الإضافات التي أضيفها عن قصد بكل شيء أكتبه، كل ما فعله أنه حذف اسمي، ووضع اسمه، ونشر المقال بثقة من يزرع شجرة في أرض جاره ثم ينتظر الثمر.
تسرق … فتضحك بدل أن تغضب
تأملت المنشور طويلًا، وانتابتني موجة ضحك لا توصف، ليس لأن الأمر مضحك، بل لأن الطريقة كانت ساذجة إلى حد الإتقان، كأن تسرق شيئًا وتبقي الباب مفتوحًا، أو تكتب اعترافك بخط واضح وتتركه على الطاولة، كان بإمكاني أن أعلّق، أن أشرح، أن أمارس دوري الأخلاقي في الدفاع عن حقي، لكنني لم أفعل، ليس تسامحًا، بل دهشة: كيف يفكّر من يسرق نصًا يعرف أن صاحبه سيقرأه؟ كيف يطمئن إلى فكرة أن الحقيقة بطيئة إلى هذا الحد؟ أم أنه يراهن على شيء آخر… على النسيان ربما، أو على زحام المنشورات الذي يبتلع كل شيء.
حين أغلقت هاتفي المحمول، لم يعد المقال مهمًا، ما شدّني حقًا هو هذا السلوك المألوف أكثر مما ينبغي، هذا الميل القديم الذي يلبس كل مرة ثوبًا جديدًا، وبناءً عليه، وجدت نفسي أكتب عن هذه الظاهرة التي لا تموت، السرقات الأدبية، تلك التي عبرت الأزمنة كما تعبر الريح بين النوافذ، لا تُرى لكنها تُحسّ، وتترك أثرها في كل مكان.
حين كان الإعجاب مبررًا للنهب
من هذه الحادثة الصغيرة، التي تبدو عابرة لكنها ليست كذلك، يتسع المشهد فجأة ليكشف أن ما حدث ليس جديدًا، بل هو امتداد لقضية قديمة في تاريخ الفكر الإنساني، قضية تكاد تكون حاضرة في جميع الآداب، بل لعلها في العصور القديمة كانت أكثر شيوعًا، حتى ليشبه من عُرفوا بها آنذاك الأطفال إذا أعجبهم شيء مما في أيدي غيرهم أغاروا عليه وأخذوه دون اعتبار.
ولم يكن ذلك مجرد توصيف مبالغ فيه، فالرواة يحدثوننا عن شاعر كبير مثل الفرزدق، كان إذا أعجبه شيء من شعر معاصريه طلبه لنفسه، فإن أُبيح له أخذه، وإلا توعّد وهدّد، ثم أخذه وادعاه، وكأن الإعجاب مبرر كافٍ للمصادرة، حيث إنه لخّص هذا المنطق بعبارة لا تخلو من سخرية حين قال إن خير السرقة ما لا يُقطع فيه اليد، في إشارة إلى استسهال الفعل وتحويله إلى طرفة.
ظاهرة قديمة
ولم يتوقف الأمر عند حكايات الشعراء، بل امتد إلى وعي النقاد أنفسهم، حيث أقرّ القاضي الجرجاني بأن السرقة داء قديم وعيب عتيق، وأن الشاعر يستعين بخاطر غيره ويستمد من معانيه وألفاظه، وكأن الإبداع في بعض وجوهه يقوم على الاقتراب من نصوص الآخرين.
ويأتي الآمدي ليؤكد أن هذا الباب لم يسلم منه متقدم ولا متأخر، فيما يرى ابن رشيق أن مجاله واسع إلى حد يصعب معه أن ينجو منه أحد تمامًا، غير أن هذا الإقرار، على اتساعه، لا يمنح الشرعية بقدر ما يكشف عن عمق الإشكال، وعن ذلك الخيط الرفيع بين التأثر المشروع والانتحال المرفوض.
الأدب يفضح نفسه
وإذا كان التراث قد قدّم لنا جذور الظاهرة، فإن الأدب المعاصر لم يتردد في فضحها بطريقته الخاصة، ومن بين المقالات التي لفتت نظري بهذا الخصوص ما كتبته الكاتبة سعيدة شريف في مقالة نشرتها في موقع الجزيرة بعنوان “التناص والتلاص.. هل أضحت السرقات الأدبية “علامة عربية مسجلة”؟، تحدثت فيها عن رواية “المشّاء العظيم” للكاتب المصري أحمد الفخراني، حيث يُستدعى الخيال ليقول ما يقوله الواقع بصعوبة، هناك، لا تبدو السرقة مجرد فعل عابر، بل حياة كاملة تُبنى على الزيف، حين يصنع بطل الرواية مجده من أعمال ليست له، ويظل مطاردًا بشبح صاحبها الحقيقي، في صورة رمزية قاسية تُعيد طرح الأسئلة القديمة نفسها: ما قيمة النجاح إذا كان مزيفًا؟ وما معنى الشهرة إذا كانت قائمة على جهد الآخرين؟ الرواية، بسخريتها وفانتازيتها، لا تبتعد عن الواقع بقدر ما تكشفه، وتضعه في مرآة أكثر وضوحًا.
من الورق إلى الشاشة
ذلك الواقع الذي لم يعد يخفي شيئًا، فقد أصبحت السرقات الأدبية والثقافية ظاهرة مستفحلة، لا في العالم العربي وحده، بل في مختلف البيئات الثقافية، وساهمت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل في كشفها بقدر ما ساعدت على انتشارها. ولم تعد المسألة مقتصرة على النصوص الإبداعية، بل امتدت إلى البحوث الأكاديمية والدراسات العلمية، وحتى المواد الصحفية، وكأن الظاهرة تحولت من سلوك فردي إلى نمط متكرر، يفرض حضوره رغم كل محاولات الردع.
وليس بعيدًا عن ذلك، ما شهدته الساحة الأدبية من قضايا وصلت إلى المحاكم، كما حدث مع الكاتبة التركية إليف شفق، التي وُجهت إليها تهمة السرقة الأدبية، وصدر حكم قضائي ضدها قبل أن تعلن رفضها لتلك الاتهامات وتصفها بالافتراء. مثل هذه القضايا تكشف أن المسألة لم تعد شأنًا أخلاقيًا فحسب، بل أصبحت أيضًا مسألة قانونية، وإن كان القانون، على أهميته، لا يكفي دائمًا لردع الظاهرة أو القضاء عليها.
بل إن المسألة لا تقف عند حدود التنظير أو القضايا العامة، بل تمتد لتلامس تجارب شخصية حيّة، حيث يفاجأ بعض الكتّاب بأن أجزاء من أعمالهم نُقلت حرفيًا دون إذن أو حتى إشارة عابرة، وكأن النصوص أصبحت غنيمةً لمن يملك الجرأة لا حقًا لمن أبدعها.
مفارقات موجعة
وأذكر هنا حادثة عايشتها أثناء دراستي للإعلام في جامعة دمشق، حين أقدم أحد الأساتذة على الاستيلاء على كتاب لإعلامي سوري بارز كان يعمل ويُدرّس في مصر، فاكتفى بحذف اسم صاحبه ووضع اسمه مكانه، دون أن يُكلّف نفسه حتى عناء التمويه.
والمفارقة التي تشبه مشهدًا ساخرًا من رواية، أن ذلك الدكتور، حين عاد لاحقًا إلى سوريا ليُدرّس في الجامعة نفسها، فوجئ بأن معظم مؤلفاته قد تعرّضت للسرقة بالطريقة ذاتها.
وفي إحدى السهرات التي جمعتني به برفقة أصدقاء، علّق بلهجة لا تخلو من مرارة وسخرية: “على الأقل، كان يمكن للدكتور الذي وضع اسمه على كتابي أن يُغيّر الأمثلة، ويستبدل الجنيه المصري بالليرة السورية!”، ثم أضاف، وكأنه يختصر المشهد كله بجملة واحدة: “يا لسخرية القدر… ويا لسوء الحال الذي وصلنا إليه.”
لماذا يسرقون؟ وهل من خلاص؟
عند هذه النقطة، لا يعود السؤال فقط: لماذا يسرق البعض؟ بل يصبح أكثر إلحاحًا ومرارة: كيف أصبح ذلك ممكنًا إلى هذا الحد؟ قد يكون في الأمر خوف من العجز، أو استعجال للنجاح، أو جهل بقواعد الكتابة، وقد يكون مجرد استهانة بالقيمة الحقيقية للإبداع. لكن النتيجة واحدة: نصوص بلا روح، ونجاحات بلا جذور، ومشهد ثقافي تتآكل فيه الثقة ببطء.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بانتشار الظاهرة لا يعني الاستسلام لها، فالمعالجة تبدأ من الوعي، من إعادة الاعتبار لفكرة أن الكتابة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة للظهور، وأن الاقتباس أمانة لا حيلة، وأن الطريق الطويل، رغم بطئه، هو الطريق الوحيد الذي يصنع كاتبًا حقيقيًا، فالنص الذي يُكتب بصدق، قد يتأخر، قد يُهمَل، لكنه لا يضيع، بينما النص المسروق، مهما لمع، يظل غريبًا عن صاحبه، لا يعرفه ولا يعترف به.
ذلك الصديق الذي سرق مقالًا، لم يكن حالة استثنائية، بل تفصيلًا صغيرًا في قصة أكبر، قصة تتكرر بأسماء مختلفة، لكنها تحمل المعنى نفسه، ومع ذلك، تبقى الحقيقة بسيطة، وواضحة، وعنيدة: الكتابة التي لا تنتمي إلى صاحبها، تعود يومًا لتفضحه، بصمت، ودون حاجة إلى شهود.




