يومَ العطلةِ الأسبوعيةِ؛ قرَّرَ الأولادُ أن نجتمعَ حولَ أحدِ أفلامِ نهايةِ العالمِ الرائجة، لا أعرفُ لمَ يستعجلُ منتجو السينما الغربيةِ على نهايةِ العالم؟!
كالمتوقَّعِ، دمارٌ شاملٌ، ووحوشٌ ضخمةٌ قبيحةٌ يسيلُ لعابُها على البشرِ مصدِرةً صوتَ همهماتٍ، حشرجةٌ، نهشٌ، ابتلاعٌ، وسائلٌ لزجٌ يسيلُ ليغزوَ كلَّ الفراغاتِ المحيطةِ بالضَّحايا.
كم يبدو كلُّ ذلكَ مقزِّزًا، ينقطعُ التَّيَّارُ الكهربائيُّ في منتصفِ المشهدِ، لكنَّ تلك الأصواتَ استمرَّت في ملءِ أذني!
بدايةَ الأسبوعِ؛ يذهبُ الجميعِ إلى الخارجِ عملًا أو دراسةً، أتناولُ إفطارًا من المفترضِ أنَّهُ صحي، أعدُّ قهوتي، وأتسلَّلُ بخفةٍ إلى الأريكةِ مصطحبةً هاتفي، نظارةَ القراءةِ، السماعاتِ اللاسلكية، وانسحبُ من كلِّ المهامِّ بشكلٍ مؤقَّتٍ، أتابعُ منشوراتِ السوشيال ميديا بلا هدفٍ غيرَ إهدارِ الوقت. أسمعُ أصواتًا غريبةً، أنزعُ السماعةَ من أذني، وأذهبُ لأتأكَّدَ، هل تركَ أحدُهم التلفازَ مفتوحًا؟ أشعرُ بهزةٍ طفيفةٍ في الأرضِ تختفي سريعًا، وبعدَها يختفي الصَّوت!
أفتحُ هاتفي، هل كتبَ أيُّ أحدٍ عن هزةٍ أرضيةٍ؟ لا أجدُ شيئًا. في المساءِ، أسألُ الأولادَ، هل شعرَ أحدُكم بهزةٍ طفيفةٍ في منتصفِ النَّهارِ؟ لكن لا يبدو أنَّ أحدًا منهم قد لاحظَ ذلك.
الموعدُ الشَّهريُّ الروتينيُّ لزيارةِ السوبر ماركت، نذهبُ جميعًا فيما يشبهُ النزهةَ لشراءِ الاحتياجاتِ الشَّهريةِ للبيتِ، معَ الوقتِ وارتفاعِ الأسعارِ، أصبحَ الأمرُ يبدو كشيءٍ من العقابِ المتكرِّرِ، حيثُ الموازنةُ بينَ تحقيقِ الاحتياجاتِ الأساسيةِ، والتخلّي عن أشياءَ أخرى مقابلَ فاتورةٍ إجماليةٍ يمكنُ تحمُّلُها. عندَ الاقترابِ من طابورِ الدفعِ، سمعتُ تلكَ الأصواتَ مجدَّدًا، أُصيبَ جسدي بالقشعريرةِ، ألتفتُ حولي، هل هناكَ أحدٌ غيري يسمعُ تلكَ الأصواتَ؟! لا تبدو أيٌّ من علاماتِ الانزعاجِ على الأشخاصِ المحيطينِ بي في ذلكَ الطابورِ الطويلِ! بدأتُ أشعرُ بهزةٍ متوسطةٍ في الأرضِ، هنا بدأَ الاضطرابُ، حيثُ اهتزَّتْ بعضُ عرباتِ البضائعِ، وسقطتْ بعض المشترياتِ من الممتلئِ منها، وعمَّتِ الفوضى في المكانِ لبضعِ دقائقَ، بعدَها عادَ كلُّ شيءٍ ساكنًا.
في المساءِ، أعلنتْ نشرةُ الأخبارِ بشكلٍ عاجلٍ شكوى عامةً من انتشارِ أصواتٍ مرعبةٍ تأتي من مسافاتٍ بعيدةٍ تجاهَ الحدودِ الشماليةِ، يصحبُها هزاتٌ أرضيةٌ يتضاءلُ أثرُها مع المسافةِ، وأنَّهُ كإجراءٍ وقائيٍّ، قرَّرَ المسؤولون بناءَ حائطٍ ضخمٍ، ليعزلَ الصوتَ، وعميقٍ جدًا ليقلِّلَ من أثرِ الهزاتِ الخارجية!
لا أفهمُ كيفَ يُجدي هذا نفعًا، لا أحدَ حولي يبدو مقتنعًا بفكرةِ الخروجِ ومواجهةِ الأمرِ، يخبرُني الجميعُ أنَّهُ يجبُ علينا أن نؤثرِ سلامتَنا الشخصيةَ، حينَ حاولتُ المناقشةَ، أشارَ إليَّ الجميعُ بوجوبِ الصَّمت.
آلامٌ حادَّةٌ تصيبُ معدتي، ما عدتُ أستطيعُ ابتلاعَ الطعامِ إلّا بصعوبةٍ، حتّى التنفسُ، أصبحَ بالكادِ أنفاسًا قصيرةً متقطعةً، وكأنَّ الهواءَ أصبحَ يخلو من الأكسجين، ألزمُ أريكتي ذات اللونِ المحايدِ معظمَ اليومِ، أتابعُ الأخبارَ قدرَ استطاعتي على تحمُّلِ نوباتِ البكاء.
أصبحَ معدَّلُ تكرارِ نوباتِ الأصواتِ أكثرَ كثافةً مع الوقتِ، قد تأتي عدةُ نوباتٍ في اليومِ الواحدِ، يحاولُ بعضنا تجاهلَها برفعِ صوتِ التلفاز، أو استخدامِ سماعاتِ الأذن، والبقاءِ بالخارجِ لأوقاتٍ طويلةٍ، أحيانًا؛ يقيمُ بعضُهم حفلاتٍ صاخبةً جدًا تختفي في أثنائِها آثارُ الهزاتِ الأرضيةِ بينَ ذبذباتِ مكبِّراتِ الصوتِ الضخمةِ، فضَّلتُ البقاءَ بالبيتِ، إن كانت تلكَ النهايةَ، فلا أريدُ غيرَ أن أكونَ هنا.
أستيقظُ على الصراخِ، تبدو الأصواتُ قريبةً جدًّا، يخرجُ الجميعُ إلى الطرقاتِ في محاولةٍ للهربِ، يبدو أنَّهم وصلوا أخيرًا برؤوسهم القبيحةِ ورائحتِهم المنفرةِ، ماذا حدثَ للجدارِ العازل؟! تهتزُّ الأرضُ تحتَ أقدامِهم، يسيلُ لعابُهم، ويكشِّرونَ عن أنيابٍ ضخمةٍ، وأنفاسٍ كريهةٍ، ينفثونَها في وجوهِنا، صوتُ الهمهماتِ، الحشرجةُ، النهشُ والابتلاعُ، يملأُ أذنيَّ، ورائحةُ الدَّمِ اللزجِ تغزو كلَّ الفراغاتِ المحيطةِ بال…..
رابط مختصر: https://palfcul.org/?p=12908




