9 January, 2026

غزَّةُ جُرحٌ لا يندمل – د. عمران مهدي

في ليلٍ أسودَ لا ينتهي، تجلسُ غزَّةُ وحيدةً تبكي على أطلالِها، تروي حكايةَ الألمِ والصُّمودِ لأجيالٍ لم تدركْ بعدُ معنى الحياةِ في ظلِّ القصفِ والحصارِ. هنا، في زوايا البيوتِ المدمَّرةِ، تختبئُ أرواحٌ أزهقتْها الحربُ، وذكرياتٌ لم تعدْ تجدُ مأوًى إلّا في القلوبِ المثخنةِ بالجراح.

تحتَ أنقاضِ المنازلِ، هناكَ دُمًى مهشَّمةٌ، وكُتبٌ ممزَّقةٌ، وأحلامٌ دُفنت مع أصحابِها. الأطفالُ الذينَ كانوا يملؤونَ الشَّوارعَ ضحكًا ولعبًا، أصبحوا الآنَ أشباحًا صامتةً، يحملونَ في أعينِهم أسئلةً لا تجدُ إجابةً. أينَ الأمانُ؟ أينَ السَّلامُ؟ لماذا تحولت سماءُ غزَّةَ إلى لوحةٍ قاتمةٍ من الدُّخانِ والنَّار؟

في كلِّ زاويةٍ من زوايا غزَّة، هناكَ قصَّةُ حزنٍ تنتظرُ أن تُروى. هناكَ أمٌّ تحتضنُ صورةَ ابنِها الشَّهيد، تتساءلُ كيف ستكملُ الحياةَ من دونِهِ. هناكَ أبٌ يحاولُ بيدينِ مرتعشتينِ أن يعيدَ بناءَ منزلِهِ الذي تهدَّمَ للمرَّةِ الثَّالثةِ، يملؤهُ الأملُ رغمَ كلِّ شيءٍ. وهناكَ فتاةٌ صغيرةٌ تجلسُ على حافةِ الطريقِ، تنظرُ إلى الأفقِ البعيدِ، تحلمُ بأن تعيشَ يومًا واحدًا دونَ خوف.

كلَّ يومٍ، تتجدَّدُ المآسي وتتعمَّقُ الجراحُ. الطائراتُ تحلِّقُ فوقَ رؤوسِ الأبرياء، تُسقطُ قنابلَها كأنَّها تمطرُ الموتَ. المستشفياتُ تعجُّ بالجرحى، والدِّماءُ تروي الأرضَ التي لم تشبعْ بعدُ منَ الألم. وفي كلِّ بيتٍ، هناكَ قصَّةٌ تنتظرُ أن تُحكى، قصَّةٌ عنِ الشَّجاعةِ والصُّمودِ في وجهِ الظُّلمِ والطُّغيان.

يا غزَّةُ، يا جرحًا نازفًا في قلبِ كلِّ فلسطيني، يا رمزَ الكبرياءِ والشموخ. كيفَ يمكنُ للسَّلامِ أن يزورَ أرضَكِ وأنتِ محاصرةٌ بالجدرانِ والقيودِ؟ كيفَ يمكنُ للأملِ أن ينموَ في قلوبٍ تعلَّمت أن تعيشَ على حافةِ الهاوية؟

في هذهِ اللحظاتِ العصيبةِ، لا نملكُ سوى الدَّعاءِ والصَّلاةِ. نرفعُ أيدينا إلى السَّماءِ نطلبُ الرَّحمةَ والسَّلامَ. نؤمنُ بأنَّ الليلَ سينجلي، وأنَّ الفجرَ سيأتي محمَّلاً بالأملِ، وأنَّ غزَّةَ ستنهضُ من جديدٍ، كطائرِ الفينيق، أقوى وأجمل.

يا فلسطينُ، يا أرضَ الأنبياءِ والشُّهداءِ، يا حكايةً لم تُكتَبْ نهايتُها بعدُ. سنظلُّ نروي قصَّتَكَ للعالمِ، سنظلُّ نحملُ ذكراكَ في قلوبِنا، وسنظلُّ نؤمنُ بأنَّ الحقَّ سيعودُ يومًا، وأنَّ الشَّمسَ ستشرقُ على أرضِكِ الطَّاهرةِ، لتغسلَ بدموعِ الفرحِ كلَّ ما خلَّفتْهُ الأحزان.

رابط مختصر: https://palfcul.org/?p=12305

Font Resize