13 January, 2026

غزةُ أخرى – بقلم حنان ويسعدان

توجدُ غزَّةُ غيرُ التي نعرفُ طوالَ هذا العامِ، غزَّةُ غيرُ محاصرةٍ؛ ليسَ فيها حربٌ، مليئةٌ بضحكاتِ الأطفالِ، أطفالٌ أصحَّاءٌ شبعى غيرُ مقطوعي الرَّأسِ ولا مبتوري الاطرافِ، يقضونَ وقتَهم في المزاحِ واللعبِ بدلَ شقاءِ النُّزوحِ القاتلِ، أو معركةِ جلبِ المياهِ، كما فيها نساءٌ حسانٌ ممتلئاتُ الخدودِ كالأطفالِ، ابتساماتُهنُّ كاللؤلؤِ المكنونِ، عيونُهنَّ مليئةٌ بالسَّعادةِ حتّى أنهنَّ يستطعنَ توزيعَها على العالمِ بأسرِهِ ليصبحَ سعيدًا، أياديهنَّ ناعمةٌ جدًّا وكذا بشرتُهنَّ، لقد ولَّتْ أيامُ البحثِ عنِ الخشبِ وإضرامِ النَّارِ، والبحثِ عن الطعامِ وغسلِ العفنِ عنِ الخبزِ، وإجبار المعدةِ على تقبُّلِ الطعامِ المعلَّبِ الذي انتهت صلاحيتُهُ، وحلاقةِ الشَّعرِ لأنَّ المنظفاتِ غيرُ متوفرةٍ، وانتهت أيضًا أيَّامُ التفكيرِ هل يجبُ أن أكملَ رغيفَ الخبزِ هذا أم أتركُهُ للوجبةِ القادمةِ؟ وكذا أيامُ الخبيزةِ وورقِ التوتِ، والسَّهرِ لساعاتٍ لتنقيةِ الأرزِ من بقايا الرُّكامِ والحشراتِ، وأيضًا أيامُ أكلِ علفِ الدوابِّ من شعيرٍ وذرةٍ وغيرِها، أمَّا الرجالُ فقد استعادوا لياقتَهم، ولَّت أيامُ الأسرِ القاسيةُ وتشتُّتِ الأُسَرِ وصعوبةِ التواصلِ، والركضِ وراءَ مظلاتِ الإذلالِ، وأيامُ البحثِ عن بدائلَ لكلِّ شيءٍ، وانتهت آلامُ القهرِ لعجزِهم عن توفيرِ أيِّ نوعٍ من الطعامِ لبنيهم وذويهم؛ وهمُ الآنَ أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزقونَ!

منَ الكلماتِ الخالدةِ لأحدِ الشُّهداءِ أنَّ هناكَ غزَّةُ أخرى تتشكَّلُ في الجنَّةِ، وعلى الرغمِ من أن الصورةَ تزدادُ قتامةً يومًا عن يومٍ فإنَّ اللهَ سينتقمُ لكلِّ من سُفِكَ دمُهُ في هذا العالمِ الأطرشِ، ستعودُ غزَّةُ للحياةِ وكأنَّ حربًا لم تكنْ، وسيكبرُ الأشبالُ ليصنعوا كلَّ ما ذُكِرَ هنا، في كلِّ فلسطينَ آنذاكَ لا يهمُّ إن رُفِعَ الصممُ والبكمُ عنِ العالَمِ لأنَّهم سينالونَ الفرصةَ ليكونوا الصوتَ الوحيدَ وسيسمعُهم العالمُ بأسرِهِ شاءَ أم أبى.

رابط مختصر: https://palfcul.org/?p=12889

Font Resize