على وقعِ أصواتِ الطَّائراتِ، كانَ يجلسُ الدكتورُ خالد في مستشفى الرَّحمةِ الإنسانيِّ مترقِّباً قدومَ الجرحى، خالدٌ الذي اعتادَ أن يتركَ عائلتَهُ في كلِّ حربٍ تعصفُ بغزَّةَ ليؤدّي واجبَهُ المهنيَّ والإنسانيَّ، هذهِ المرَّةَ كانَ غيابُهُ عن ذويهِ هوَ الأطول.
في احدى ليالي الحربِ الدَّامغةِ، شنَّ الطَّيرانُ الحربيُّ عدواناً على أحدِ طواقمِ الإسعافِ القادمةِ إلى المستشفى، مما اضطُرَّ الدكتور وزملاؤهُ للذَّهابِ لإسعافِ عائلةِ الحاج عمر التي قُصِفَت في حيِّ الرِّمال، وأثناءَ وصولِهِ إذ باتصالٍ يبلِّغُهُ بأنَّ عائلتَهُ قد قُصِفَت ايضاً، لكنَّ المفاجأةَ كانت برفضِهِ الحضورَ طالباً من الطاقمِ الذي معهُ الاستعدادَ للذهابِ لعائلتِهِ بعدَ الانتهاءِ من واجبِهم؛ لأنَّ المستشفياتِ قد امتلأت والطاقمَ الذي يلازمُهُ عددُهُ يصغرُ عددَ تلكَ العائلات، وبالفعلِ هذا ما حدث، عندَما ذهبَ الطاقمُ الطِّبيُّ لإسعافِ عائلةِ الدكتور خالد لم يسعفْهُ الوقتُ، وكانَ اللهُ قد قالَ كلمتَهُ، كلُّ العائلةِ قد تُوفِّيَت؛ زوجتُه وبناتُهُ في عدادِ الشُّهداء، زفَّ الدكتور الخبرَ لأقربائِهِ، ثمَّ عادَ إلى عائلةِ الحاج عمر ليتابعَ معالجةَ زوجتِهِ وابنتِهِ الوحيدةِ هدى ذاتِ الحالةِ الخطرةِ، ريثَما يبلَّغُ عن حالاتٍ أخرى لا سمحَ الله، مرَّتِ السَّاعاتُ سريعاً وكانَ نصراً من اللهِ عظيماً رحمةً للشُّهداءِ، أمّا ما حدث بعدَ ذلك للدكتور خالد كانَ بقيَّةَ النَّصر.
بعدَما ذهبت الحربُ، وعادت غزَّةُ تلتقطُ أنفاسَها من جديد، مستشفى الرَّحمةِ بدأَ ينفدُ من الجرحى، وحانُ موعدُ مغادرةِ عائلةِ الحاج عمر؛ لكنَّ الحاج كانَ لهُ رجاءٌ قبلَ الرَّحيلِ فقال: أعلمُ يا بنيَّ أنَّكَ أصبحتَ وحيداً بلا مأوىً تبيتُ هنا وتصحو، فهل تقبلُ أن تتزوَّجَ ابنتي وتسكنا معنا لتؤنسانا؟ فوافقَ الدكتور خالد وفرحَ بهذا الطلبِ، ونالَ جزاءَ إنسانيتِهِ التي لم تتجزَّأْ، والتي صنعت لهُ منَ الموتِ حياةً جديدةً؛ وكانت هذهِ أعظمَ قدرٍ لرجلٍ شجاع.
رابط مختصر: https://palfcul.org/?p=12146




