13 January, 2026

المرهم – بقلم غفران العباسي

هل تمتلكونَ مرهماً تعتبرونَهُ العصا السحريّةَ التي تزيلُ عنكمُ الألمَ بعدَ حوادثَ بسيطةٍ غالباً؟!

‎لا بدَّ أنَّكم تملكونَ، كما أنَّ لكلٍّ منكم علاجاً خاصّاً بآلامِ الرَّأسِ وآخرَ لنزلاتِ البردِ.

‎منذُ زمنٍ ليسَ بالبعيدِ سُئلْتُ سؤالاً مفادُهُ: “إن لم تكوني إنساناً ماذا كنتِ تأملينَ أن تكوني؟!” صراحةً: أخذَ مني الأمر تفكيراً رُبما يوماً كاملاً!، ماذا يمكن أن يناسبَني أن أكونَ لو لم أكنْ إنساناً؟!

‎بعد تفكيرٍ عميقٍ؛ طرأَ ببالي ما يمكنُ أن يحصلَ للإنسانِ خلالَ أيِّ لحظةٍ من يومِهِ، أثناءَ عملِهِ مثلاً أو قيامِهِ بأيِّ نشاطٍ بسيطٍ، أثناءَ إعدادِ الطعامِ مثلاً؛ كفتاةٍ ما وهي تتعاملُ معَ الطبخِ والنَّارِ تغلبُها النَّارُ وتنالُ من يدِها فتحرقَها حرقاً قد لا يكونُ كبيراً فيستدعي التهويلَ ولكنَّهُ ليسَ صغيراً فيُهمَلُ، على الأقلِّ بالنسبةِ لها، فهيَ تشعرُ بحرقةٍ تكادُ تصلُ قلبَها! غالباً ستلجأُ بعدَها لمرهمٍ ستجدُهُ بينَ الأدويةِ؛ تضعُهُ فيُبرِّدُ مكانَ الحرقِ في يدِها برودةً تكادُ تصلُ قلبَها، بعدَها تكملُ الفتاةُ عملَها وهيَ ممتنةٌ لهذا المرهم!

‎قد وجدتُ جوابَ السُّؤالِ في هذا الألمِ البسيطِ الذي لا يُعيرُ لهُ هذا الكونُ بالاً!

‎غُفران ما لم تكُن إنساناً كنتُ قد تمنَّيتُها أن تكونَ هذا (المرهم)، قد لا يكونُ الأثرُ الذي يتركُهُ ذا شأنٍ بل حتّى إنَّهُ لا يتركُ أثراً بتاتاً، بل يذهبُ ومعَهُ الأثرُ الذي قد يكونُ في أيدٍ رقيقةٍ لا تحتملُهُ، لكنَّهُ في الأخيرِ يُخفِّفُ حرقةً أصابت إنساناً!

‎عادَ هذا السُّؤالُ وإجابتُهُ إلى ذهني؛ وأنا أشاهدُ مقطعاً لأمٍّ وأبٍ يودِّعونَ ابنَهم الذي استُشهِدَ جرّاءَ غارةٍ إسرائيليةِ في غزَّةَ، الأصحُّ أنّي لم أفكِّرْ بالسُّؤالِ بل بالإجابةِ.

‎المرهم!

‎أتساءلُ في كُلِّ حينٍ عن ماذا يمكنُ أن يبرِّدَ جُرحَ الفلسطينيينَ في غزّةَ؟! أتساءلُ إن كانَ يوجدُ في هذهِ الحياةِ ما يشابهُ فعلُهُ فعلَ هذا المرهمِ ليُداوى بِهِ أهلُ غزَّةَ، ليُوضعَ على جراحِهم؛ فتصلَ برودتُهُ حتّى قلوبِهم! ليستطيعوا أن يكملوا الحياةَ بعدَ الحربِ، والتي أعلمُ واللهِ أنَّها لن يبقى اسمُها حياةً معَ كلِّ الفقدِ الذي مرَّ على قلوبِهم، ولن يبقى اسمُها حياةً مع كلِّ المشاهدِ التي مرّت وتمرُّ عليهم منذُ بدءِ الحربِ!.

رابط مختصر :https://palfcul.org/?p=12819

Font Resize