على مائدةِ العشاءِ، كان يحكي لنا عن قضيّةٍ ما.
في بلدِ الشُّرفاءِ، كانَ يخبرُنا عن ملايينِ الشُّهداء.
صمتَ طويلاً وكأنَّ القولَ التصقَ بحلقِهِ، وكأنَّ اللسانَ انتُزِعَ من مكانِهِ وما عادَ جدّي يتحدَّث.
للحظةٍ أتممَ حكايتَهُ قائلاً:
– هذا الوطنُ لي؛ موطني.. موطني.. الجلالُ والجمالُ والسَّناءُ والبهاء..
نظرتُ إلى أبي فإذا بعينيهِ اغرورقتا من الدمعِ؛ وكأنَّها الحجرةُ التي انفجرت منها اثنتا عشرةَ عيناً، ثم سمعت أزيزاً أشبهَ بالرعدِ في كلِّ أرجاءِ المدينة.
لبرهةٍ انهدمت جدرانُ البيتِ على رؤوسٍنا فماتَ كلُّ من فيها إلّا أنا ناجيهم الوحيدُ، وكأنَّ الموتَ يتحاشاني وكأنَّهُ يرفضُني لأعرفَ من أكون.
همدَ جدّي رافعاً سبّابتَهُ للسَّماءِ قبلَ أن يتممَ لي الحكاية!
خرجتُ أجري حافيَ القدمينِ، أركضُ، أهربُ، أنوحُ، أصرخُ:
-أيا جدّاه ويا ويلاه!.. أيا عرباه وامعتصماه!
لكن لا أحدَ يسمعُ صراخي، وكأنَّ العربَ انقرضوا وكأنَّهم مُحِقوا، وما بقيَ في المشرقِ دمُ عروبةٍ غيرَ هذا الدمِ الذي يجري في عروقي ويسيلُ من قُنّتي.
جلستُ أستريحُ وأنا جريحٌ بجانبِ إحدى قبابِ الأقصى.
صرفتُ مقلتي هنا هناكَ بحثاً عن منقذي ومخلِّصي؛ فما بصرتُ غيرَ الدَّمارِ والأطلال. بكيتُ ما بكيتُ؛ ثمَّ ركضتُ بخفةِ رجلَيَّ الصغيرتينِ باتجاهِ قبَّةِ “الأرواح” لعلّي أجدُ عربياً هناك، وما وجدتُ غير الصهيون.
أخذتُ أهرولُ إلى قبة “موسى” فما وجدتُ غيرَ أناسٍ لا أنا أشبهُهم ولا هم لي يشبهون، فقلتُ:
– لا تيأسْ يا فتى، عندَ قبةِ “الخضر” ستجدُ العربَ يقفونَ على أرضِ المقدسِ يدافعونَ ويحاربونَ، لكن هيهاتَ هيهات.
لهنيهةٍ تذكَّرتُ قبةَ “المعراج” فجررتُ رجليَّ المتعبتينِ نحوَها؛ علَّني أبلغُها لأحدِّثَ إخواني عمّا فعلَهُ العدوُّ بجدّي وبأرضي.
ولمّا بلغتُ القبةَ المثمَّنةَ الأضلاعِ لم أجد بجانبِها إلّا غرباناً ينعقونَ وكأنَّهم على الأطلالِ يندبون، فزحفتُ إلى حائطِ البراقِ لعلي أستريحُ من هذا الجزعِ أو أتخذُهُ مخبأً من زخاتِ الرصاصِ التي تتهاطلُ من كلِّ حدبٍ وصوبٍ. كنتُ أجرُّ جسدي المجروحَ بينَ جثثِ الأطفالِ والنِّساءِ المتراميةِ في كلِّ مكان.
لم أصلِ الحائطَ إلّا بعدَ أن بلغتِ الرُّوحُ الحلقومَ. وبينما أنا أزحفُ لأتخذَهُ متكأً وحصناً من القذائفِ، وجدتُ خرقةً ضمدتُ بها رأسي الذي صارَ نافورةً من الدماء.
أخذتُ نفساً عميقاً، ثمَّ استجمعتُ قوايَ مخافةَ السقوط. وقفتُ وقفةَ الثابتِ الوطيدِ أرمي بنظراتي على جانبِ حائطِ المبكى، فبصرتُ أناساً يبكون، ظننتُ أنَّهم العربُ يرثونَ الديارَ ويندبونَ. اقتربتُ منهم أكثرَ فأكثرَ فوجدتُهم واضعينَ قبعاتٍ صغيرةً على أواخرِ رؤوسِهم ودعاؤهم غيرُ مفهوم. أيقنتُ أنَّهم اليهودُ وأنَّهم بنو صهيون.
عدتُ أدراجي هرباً من أن تخرقَ رصاصةٌ طائشةٌ جسدي الهشَّ وأموتَ كما ماتَ أهلي في اليومِ المشؤوم.
بينما أنا أركضُ تذكَّرتُ حكاياتِ جدّي عن أيَّامِ العربِ والعروبةِ، تذكَّرتُ فروسيتَهم، تذكرتُ حقيقةَ من أكونُ، فردَّدتُ في قرارةِ نفسي:
-القدسُ لي، أكونُ أو لا أكون.
فأخذتُ أرميهم بالحجارةِ من كلِّ مكانٍ، وأنا مدمىً بالدماءِ يسكنُني الألمُ والشُّجون.
-لا مفرَّ اليومَ من طوفاني يا بني صهيون. سأصمدُ، سأقاومُ، سأحاربُ، سأثأرُ لأجدادي ولن أتركَ القدسَ لليهوديِّ الملعون.
رابط مختصر:https://palfcul.org/?p=12235




