30 November, 2022

هل انحرفت قصيدة النثر عن مسارها؟

يستمر الصراع ما بين أنماط الكتابة للشعر، نظرا للشعبية التي يحققها كل نوع منها، وكذلك للتطور السريع الذي يطال الحياة بفعل التناقل الرقمي على مدار الساعة.

وبعد أن أخذت قصيدة النثر مكانتها الرؤيوية، كتحديث للعقلية العربية وتطلعات الإنسان المعاصر، ها هي تدخل من جديد في نفق مظلم من التقيد بإطار التشابه والتقليد في الأسلوب والموضوع والاقتداء بالشعر المترجم، وهو ما يثير الجدل حول مسار القصيدة النثرية المستقبلي.

فمنذ نشأة قصيدة النثر في الوطن العربي في ستينيات القرن الماضي، عزم العديد من الشعراء العرب وقتها على الانتقال إلى حقبة جديدة من التمثيل الفني للغة، والموضوعات، بالخروج من عباءة الشعر التقليدية التي التزمت بمعايير فنية قاسية من حيث الوزن بالالتزام ببحور إيقاعية ومن ثم الالتزام بموسيقى النص، بختام السطر بالقافية.

وقد رأى أنسي الحاج وأدونيس وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمد الماغوط، وشوقي أبو شقرا وسركون بولص وغيرهم من رواد قصيدة النثر العربية أن ذلك التقييد، هو سبب من أسباب إفقار الشعر العربي؛ وانطلقوا نحو مساحة أوسع، تتكفل بالتخلص من الطابوه الشعري، والتحليق نحو خيال غير محدود يتيح للشاعر الخوض في كافة الأفكار الممكنة.

قال أدونيس عن قصيدة النثر: ”لا بد لهذا العالم، إذن، من الرفض الذي يهزه، لابد له من قصيدة النثر كتمرد أعلى في نطاق الشكل الشعري“. وبالفعل شوهد من أولئك الشعراء ما لم يكن يتوقع، فقدموا للشعر العربي تجاربهم الإنسانية الذاتية المنسلخة في الكثير من الأحيان عن القالب التقليدي للموضوع الجمعي، الذي كان يسيطر على النمط الشعري فيما سبق.

ومع الوقت صارت قصيدة النثر شكلا شعريا رائقا للكثير من الجماهير، ومطلبا فنيا حداثيا، للانفتاح الإنساني مع عصر التكنولوجيا، إذ إن تناقل المعرفة الإنسانية عبر التكنولوجيا، زاد من بروز الصوت الداخلي الإنساني العربي، وجعل من الحرية الفردية والحقوق البشرية أولوية، وبرز ضمن سطور الشعر نقد لاذع للواقع وسخرية من دكتاتورية الحكام، وقمم الأنظمة العربية المتكررة دون جدوى فقال الماغوط مثلا: ”عجيب، كل هذه القمم وما زلنا في الحضيض“.

كما ودعت قصائد النثر من منطلق هذا القطار إلى التحرر وفك قيود الذات والخروج للعالم، فحملت معظم الأفكار ملامح ثورية تجديدية، تمنح لحياة المواطن العربي مكانة أفضل، فقد دعا أنسي الحاج لخروج المرء من قيوده الذاتية والانتصار على الخوف والتفكير البطيء: ”وسيبقى على الإنسان، بعد أن ينتصر على حدود المكان والزمان، أن ينتصر على حدود ذاته، التحدّي الأصعب“.

وفي الجيل الحديث لقصيدة النثر ظهر العديد من الشعراء العرب من جيل الشباب، منهم عامر الطيب، قيس عبد المغني، هاني نديم، حامد عاشور، عبد الرحيم الصايل، أسماء حسين، آلاء حسانين، هدى أشكناني، والذين أسهمت التكنولوجيا في مزيد من انفتاحهم على الأفكار في كافة أنحاء العالم، وبالتالي أصبح العالم لديهم غرفة مكثفة، يتاح فيها كافة أشكال المعرفة من خلال الجهاز الرقمي الصغير.

بداية ظهر التنوع في الأفكار لدى هؤلاء الشعراء، بحكم أن لكل شاعر منهم تجربة ذاتية، ومجتمعية، فكان التباين في الطريقة والأفكار والأسلوب، لكن مع الوقت تأثر هؤلاء الشعراء ببعضهم بحكم التداول اليومي للشعر عبر فيسبوك، فصارت معظم الكتابات تدور في فلك واحد، بالحديث عن الكوارث والحروب والمجازر، وصار بإمكان الشاعر البحريني أن يكتب عن مجزرة في موريتانيا بكل سهولة، وبالطبع لن تكون هذه تجربة ذاتية.

عن هذا تحدث الناقد اليمني قائد غيلان الحاصل على الدكتوراه في الأدب، وكان يخص شعراء اليمن الحداثيين وعليه يمكن تعميم التجربة في الوطن العربي، حيث قال:“لم تستطع قصيدة النثر في اليمن أن تنافس القصيدة الملتزمة بالقالب التقليدي للقصيدة العربية، بقيت باهتة مملّة تدور حول مفردات مكررة، فعندما تدخل الملف اليمني في ”مجانين قصيدة النثر“ تشعر أنك دخلت مقبرة، معظمها يدور حول مفردات الموت والكفن والأشلاء والمقابر والدماء.

وفعلا من يرى المشهد من بعد أوسع يلمح هذا الاختباء من الشعراء بشكل عام، خلف الكارثة، وكأنها ”ترند“ يتم اللحاق به في مواقع التواصل الاجتماعي، فللحرب خصوصيتها لدى الإنسان، وحين يكتب الشاعر عنها فإنه ينقل تجربة محرقة ذاتية ممتلئة بكل أشكال الحزن والخوف والانهيار البشري، ولربما تكتب لمرة واحدة، ولا تتكرر من شخص لآخر. لكن هي وقت ويمضي وهنالك الكثير من التجارب التي تطال الشاعر، ويمكنه الكتابة عنها، خاصة وأنها قصيدة التفاصيل الدقيقة، فيمكن لنظرة في حافلة أن ينبع منها أجمل الصور الفنية والمشاعر.

فيتابع الناقد قائد غيلان: ”قصيدة النثر التي يجب أن تتحرّر من الأعباء التي تقيدت بها القصيدة التقليدية، حبست نفسها في قيد أشد، وتخلّت عن فكرة الجمال، فلا لغة جميلة ولا قاموس مختلف، إنها قصيدة فقيرة شعريا وجماليا“. والأغرب أن القاموس الشعري للكلمات، لدى معظم الشعراء في عصر التكنولوجيا، بات يدور في نفس الإطار والأساليب، فيبدو أن الكثير منهم وقع في فخ التقليد، وعدم التجريب نحو منطقة أخرى، منطقة خصوصية، وهذا الدخول الجديد في القوالب، يجعل قصيدة النثر منحرفة عن مسارها الذي خرجت للعالم من أجله، وينذر بتوقف مفعولها الفني عند هذا الحد، فهل آن الأوان لنظرة من زاوية أخرى، والخروج بنمط جديد للكتابة لتخطي القالب ما بعد الحداثي؟

المصدر|| وكالة صفا 

الرابط المختصر|| https://palfcul.org/?p=3680

Font Resize