26 September, 2023

كيف يساهم التراث الشعبي الفلسطيني في ترسيخ الوحدة؟

نبيل السهلي

يعتبر التراث الشعبي الفلسطيني بمكوناته المختلفة دالة كبرى وجوهرية على وحدة الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية، ويعكس في ذات الوقت مدى التطور الحضاري الذي شهدته فلسطين على مر العصور، كنتيجة مباشرة لنشاط الأجداد صانعي الحضارة الحقيقيين؛ التي لا تزال ماثلة للعيان رغم محاولة المحتل الصهيوني لطمسها وتهويدها.

وثمة مكونات عديدة للتراث الشعبي الفلسطيني وأهمها: الأغنية الشعبية، العادات والتقاليد، المصطلحات والتعابير الشعبية، فضلاً عن المعتقدات والأمثال الشعبية والأزياء والحكاية.

وخلال تاريخ فلسطين الكفاحي ظهرت أسماء ورموز بحثية كثيرة، كانوا بمثابة حرّاس التراث الشعبي للحفاظ على الهوية ووحدة الشعب الفلسطيني، الذي لا يقبل التقسيم أصلاً؛ ومنهم؛ الباحث الراحل نمر سرحان، محمد توفيق السهلي، عوض سعود عوض، محمود مفلح البكر، عبد الكريم الحشاش.

نمر سرحان

يعتبر الباحث الراحل نمر سرحان، الذي ولد في قرية السنديانة قضاء حيفا عروس الساحل الفلسطيني في عام 1937، من أهم الموثقين للتراث الشعبي الفلسطيني؛ وقد أمضى جلّ حياته في البحث ودراسة التراث في فلسطين؛ وتجلى ذلك في عقد الستينيات من القرن المنصرم، من خلال جملة أبحاث متخصّصة حول الشعر والحكاية والأغنية والمأثور الشعبي؛ وقد أنهى دراسته الثانوية في طولكرم عام 1955، وحصل على بكالوريوس الآداب من “جامعة دمشق” في 1964، قبل أن يعمل موظفاً في “وكالة غوث اللاجئين” بين 1957 و1968، ثم انتقل إلى العمل في دائرة الثقافة في “منظمة التحرير”، وبقي في موقعه حتى شغل موقع مدير شؤون التراث في وزارة الثقافة الفلسطينية.

اللافت أن الراحل اهتم باكراً بتوثيق وتدوين الرواية الفلسطينية الشفوية وحفظ التراث من النسيان والضياع، ففي كتابه “الحكاية الشعبية الفلسطينية” (1988) بيّن البناء الفني للحكاية الشعبية ووحدات قياسها وروايتها والفضاءين الزماني والمكاني كما عكستها نصوصها، كما درس صورة البطل في الحكايات وموقعه الطبقي من الجماعات التي ينتمي إليها، إلى جانب مقاربته تصوّر الشعب للسلطة والسلطان عبر المأثورات المروية.

 

كما تناولت هذه الدراسة حكايات الخوارق حول الغيلان والجن والعفاريت، والحكايات المتعلّقة بالسحر، ورسم ملامح المرأة في الحياة الشعبية عبر تقديم واقع صورتها في نصوص الحكايات، واستقرأت حكاية الحيوان والرمز الذي يستتر وراء شخصياته، وكذلك النصوص المقدسة حول الآلهة والأنبياء والأولياء الصالحين.

وفي “موسوعة الفلكلور الفلسطيني”، لم يكتف سرحان في خمسة مجلّدات بذكر القصص الشعبية والأشعار والأغاني، بل ضمّنها التفاصيل الدقيقة والجداول البيانية كما الصور التوضيحية التي التقطت قبل 100 عام في فلسطين، وما للفلكلور من علاقة بالمناخ والفصول الأربعة، والأزياء والأقمشة، وصناعة الزيت والخبز والأطعمة والحلويات وغيرها. للراحل العديد من المؤلفات؛ من بينها: “أغانينا الشعبية في الضفة الغربية” (1968)، و”أغانينا الشعبية الفلسطينية”، و”أبو اكباري، سيرة بطل شعبي” (سيناريو)، (1975)، وسلسلة “ديوان الشعر الشعبي الفلسطيني”، و”أبو خنفر وقصص أخرى” (قصص)، و”الانتفاضة والفلكلور الفلسطيني” (دراسة)، و”المباني الكنعانية في فلسطين” (دراسة)، و”الحكاية الشعبية الفلسطينية” (دراسة)، (1972)، و”إحياء التراث الفلسطيني” (دراسة)، (1974)، و”النزلة”.

توفي المؤرخ نمر سرحان في مدينة رام الله عام 2018 تاركا كنزاً بحثياً في التراث الشعبي الفلسطيني يحتذى به للاستمرار في إنتاجات جديدة ومتقدمة من قبل باحثين شباب.

محمد توفيق السهلي

ولد  الباحث محمد توفيق السهلي في بلد الشيخ قضاء حيفا عام 1940م، وحينما وقعت نكبة فلسطين عام 1948 التجأت عائلته إلى لبنان، وأمضت في صيدا جنوب لبنان فترة وجيزة ثم انتقلت بعدها للإقامة في دمشق، ومنذ بداية الستينيات يقيم وعائلته في مخيم اليرموك حتى عام 2012. أتم دراسته الابتدائية في مدرسة حافظ إبراهيم بمنطقة المزة غرب دمشق، والإعدادية في مدرسة أسعد عبد الله بدمشق، فحصل على شهادة الدراسة المتوسطة عام 1959، حين ترك الدراسة للعمل من أجل إعالة عائلته، لكنه أتم دراسته الثانوية بالدراسة الخاصة فحصل على الثانوية الأدبية عام 1962 م، والتحق بعدها بالجامعة ليحصل على الإجازة في التاريخ عام 1970.

 

بعد تخرجه عمل في صفوف جيش التحرير الفلسطيني، وتسلم عمله سكرتيراً لتحرير مجلة (صوت فلسطين) حتى عام 2007، له عناية خاصة بالأدب وخاصة التراثي منه. كتب المقالة والبحث ونشر كتاباته بالصحف والمجلات العربية، ومن مؤلفاته: المعتقدات الشعبية في التراث (بالاشتراك) صدر في دمشق عام 1986، المعتقدات الشعبية في التراث العربي (كتاب مشترك) عام 1988، وله موسوعة الأمثال الشعبية الفلسطينية صدرت في دمشق 2003، موسوعة المصطلحات والتعابير الشعبية الفلسطينية صدرت عن مركز جنين للدراسات في عمان 2001، أحلام محرمة (قصص قصيرة جداً). له كتابات دورية كثيفة ومستمرة في صحف ودوريات عربية حول المعتقدات والأمثال الشعبية الفلسطينية.

وحسب رأي شخصي فإن مجالسته غنيمة كبرى وكأنك داخل مكتبة تراث شعبي فلسطيني، خاصة وأنه شغوف بهذا البحث إلى حد لا يمكن وصفه كما حبه لوطنه فلسطين. يقيم الأستاذ محمد توفيق السهلي منذ عدة سنوات في تركيا.

عوض سعود عوض

باحث في مجال التراث وكاتب وروائي يعيش في سوريا. ولد في جب يوسف قضاء صفد في فلسطين عام 1943. وإثر نكبة 1948 لجأت عائلته إلى سوريا؛ وعاش وترعرع في سوريا في مخيم خان الشيح إلى الشرق من مدينة دمشق ودرس فيها التعليم الابتدائي والإعدادي ثم درس الثانوية في دمشق بعدها في معهد إعداد المعلمين التابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين UNRWA في دير بعلبة في حمص، ثم بدأ العمل في التدريس كما تابع دراسته وحصل على إجازة في التاريخ من كلية الآداب جامعة دمشق في عام 1971.

 

عمل مدرسا في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين واستقال منها في 1996. له كتابان حول الفلكلور الفلسطيني، فضلاً عن 15 مؤلفاً، ثلاث روايات و10 مجموعات قصصية. بدأ الكتابة في نهاية السبعينات وعمل في مجال التدريس، وساهم في إغناء الحياة الثقافية عبر مقالاته وكتاباته. وساهم مع مجموعة من الأدباء والمثقفين السوريين في إنشاء منتدى أدبي يعقد مرة في الشهر في أحد منازل الأعضاء الملتزمين به ويتداول فيه الأدباء أحوال الثقافة ونشاطاتهم الأدبية. وانتظمت هذه اللقاءات الأدبية على مدى أكثر من 30 عاماً حيث يعد مع الشاعر محمد خالد رمضان والكاتب محمود مفلح البكر وغيرهم من المؤسسين للمنتدى في دمشق.

ومن أهم بحوثه في مجال التراث، دلالات الرقصات والأغاني البدوية في بلاد الشام 2016، أساطير الخصب في بلاد الشام ـ مجلة المأثورات الشعبية القطرية، الماء في التراث الشعبي الفلسطيني، التراث الشعبي في أدب غسان كنفاني، في الحكاية الشعبية الفلسطينية، الزخارف والنقوش في ثوب المرأة الفلسطينية، إضافة إلى بحث مطول عن التراث الشعبي الفلسطيني. وللباحث عوض سعود عوض دراسات أدبية كثيرة. عضو في اتحاد الكتاب العرب منذ عام 1989 وكذلك عضو في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين منذ عام 1979. ويقيم حالياً في دمشق.

محمود مفلح البكر

ولد الباحث محمود مفلح البكر في قرية التوافيق القريبة من بلدة سمخ في فلسطين عام 1947، نشأ في منطقة الزوية من محافظة القنيطرة السورية، درس المرحلة الابتدائية في مدارس دبوسية، وسكوفية وفيق، ثم تابع دراسة المرحلتين الإعدادية والثانوية في ثانوية فيق الرسمية، ودرس في معهد المعلمين في دمشق، ثم التحق بجامعة دمشق ليتخرج فيها حاملاً الإجازة في اللغة العربية وآدابها عام 1979 م، عمل في التعليم في السويداء وحماة وحلب والقنيطرة، كما عمل مدرساً لمادة اللغة العربية في ثانويات دمشق استقال من عمله الوظيفي عام 1992 م، ليتفرغ للكتابة.

 

قدم مؤلفات متعددة في هذا المجال منها كتابه القهوة العربية، والهجيني، وبيت الشعر، والعرس الشعبي، و”البحث الميداني في التراث الشعبي” وهذا الكتاب مرجع هام جداً للباحثين في مجال التراث. ويعمل الباحث محمود مفلح على جمع وتدوين التراث منذ أكثر من أربعة عقود وهو واحد من المهتمين والباحثين المنهجيين في دراسة التراث.

والبكر من بيئة تراثية شعبية، فقد أثرى المكتبة العربية بأكثر من عشرة مؤلفات مرجعية، ووضع رؤية للباحثين في هذا المجال لأن يستعينوا بكتابه الذي يعد مرجعاً في البحث الميداني للتراث الشعبي، إذ عرض فيه المصطلحات واللهجات، ومقترحات لتطوير العمل. ويقيم الأخ والصديق محمود مفلح البكر منذ عدة سنوات في هولندا.

عبد الكريم الحشاش

ولد الباحث عبد الكريم الحشاش في بئر السبع عام 1947، و لجأ إلى قطاع غزة إثر نكبة عام 1948، وسكن في مخيم رفح، ودرس المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدارس وكالة الغوث برفح، ودرس الثانوية العامة الفرع العلمي من مدرسة بئر السبع الثانوية عام 1965م، وبعد نكسة حزيران عام 1967م انتقل إلى الأردن، ومنها إلى سوريا وأقام في مخيم اليرموك حتى عام 2012، ودرس في جامعة دمشق كلية الآداب قسم اللغة العربية، تخرج منها عام 1974م، عمل في حقل التدريس بين عامي 1976 ـ 1981م، ثمّ قام بأبحاث تخصّ التراث الشعبي الفلسطيني، من عادات وتقاليد وغناء وأهازيج وأمثال. وانتسب لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين، ولاتحاد الكتاب العرب.

وصدر له عدة كتب، فنون الأدب والطرب عند قبائل النقب عام 1984، الأسرة في المثل الشعبي الفلسطيني والعربي 1986، قضاء العرف والعادة 1991، بصمة على الرمال: قصص قصيرة دمشق 1996، زوادة الحاضر والبادي: مختارات من التراث العربي دمشق 1998، شرح وتحقيق ديوان عنيز العرادي شعر شعبي عمان 1998، أرض القمر: رواية دمشق 2000، النخلة العاقر: رواية دمشق 2002، قبائل وعشائر فلسطين دمشق 2004، معجم الألفاظ المحكية في البلاد العربية دمشق 2007، الأمثال الليبية ونظائرها دمشق 2007، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب غزة 2014.

 

وله مقالات عديدة في دوريات عربية، منها احتفالات العيد في النقب وسيناء ـ الجار في المثل الشعبي ـ حداء الحصاد والتذرية ـ الخطبة بين الماضي والحاضر ـ كلمة وردها ـ نوادر الأضياف في البوادي والمدن والأرياف ـ قص الأثر وتتبع الجرة ـ أشكال الغول وقدراته في الخرافات الشعبية. ويقيم عبد الكريم الحشاش منذ عام 2012 في قطاع غزة.

ويبقى القول بأن التراث الشعبي الفلسطيني له أهمية مضاعفة، نظراً لما يضطلع به هذا التراث من دور في توجيه الشعب، ودعم صموده والحفاظ على هويته الوطنية في مواجهة عاصفة التهويد، وهنا تكمن أهمية بحوث ودراسات حرّاس التراث وأهمية توثيقها ونشرها على نطاق واسع.

*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا 

المصدر : القدس العربي

رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=7012

Font Resize