7 December, 2022

في ذكرى رحيل طه حسين.. نموذج المثقف المتكامل

نظمت “مؤسسة فلسطين الدولية”، بالتعاون مع “المدارس العصرية”،  في العاصمة الأردنية عمّان، أكثر من فعالية (ندوة ومحاضرة)، بمناسبة الذكرى  الخمسين على رحيل عميد الأدب العربي طه حسين (1889-1973) في أكتوبر 1973،كان ضيف المشترك فيهما الروائي والباحث المصري عمّار علي حسن ، وفي المحاضرة التي أقيمت في النادي الأُرثوذكسي،  قال حسن أن طه حسين “عصيٌّ على النسيان”.في والفكرية العربية العام حسن ركّز في المناسبتيْن الاستذكاريتيْن على ست زوايا تتعلق بسيرة طه حسين ومسيرته هي: المنهج، والنص، والذات، والصورة، والموقف، والأفق.

على صعيد المنهج قال عمار حسن  طه حسين اتّبع منهجًا يقوم على “الصرامة العلمية”، وتقليب كل ظاهرة، أو حدث على شتى وجوهه، وبناء استراتيجيات ناجعة في الحِجاج، ورفع الالتباس عن قضايا شائكة، وعرض مختلف الآراء حوله، وإعلاء قيمة الشك في سبيل الوصول إلى الحقيقة، معتمدًا على “التلاقح” و”التراكم”، حيث طوّر مقاربات الجاحظ وأبي العلاء المعري وابن خلدون، باستعارةٍ شكليةٍ عابرةٍ من الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650) التي تضمنها كتابه المهم “مقال في المنهج”، واستعارة راسخة من دارسي الأدب العربي، سواء من علماء ونقاد قدامى، أو ما قام به المستشرقون، أو ما سمعه في قاعات الدرس في السوربون.

الحوار، التعدد، الشك والتثبت، الإفاضة والإحاطة، تعدد زوايا الرؤية والاهتمام والتمييز في الدرس بين العلم والدين، من سمات منهجية طه حسين الرئيسية التي جعلت لهذا المنهج أثرًا “قد يختلف عليه الناس، لكن لا يمكن لمنصفٍ أن ينكر ما جاد به من إيجابيات على التفكير والتدريس والبحث في العالم العربي”.

قال  ايضا “إن نص طه حسين كان شفاهيًا، لأنه ابن الإملاء، وهو نص بكر إذ كان لا يراجعه، ونصٌّ مميزٌ يدلّ على صاحبه بلا عناء ولا عنت، وإيقاعيٌّ تحضر فيه الموسيقى، وتكراريٌّ متنوّعٌ حافلٌ بالتناص، ويسعى إلى أداء وظيفة، أو ينهض بالمهمة، أو الرسالة التي كان يحملها طه حسين على عاتقه”.

عن الزاوية الثالثة- الذات، قال حسن إن “طه حسين نموذج للمثقف المتكامل، فهو باحث وأديب وناقد ومؤرخ وعالم اجتماع ومترجم وصحافي وسياسي، ارتقى مع توالي إنتاجه ورسوخه، ليصبح مفكرًا. في الوقت نفسه فهو صاحب الوجوه المتعددة، إذ أنه الأزهري والمدني، والريفي والمديني، وابن الحضارة الشرقية المتحاور بوعي واستقلال مع

عن الزاوية الرابعة المتعلقة بصورة طه حسين قال حسن “إن الرجل يظل، بعد مرور ما يقرب من نصف قرن على وفاته، صاحب مكانة رفيعة وهيبة لا يبليها الزمن، بل يبدو أسطورة ذاتية، في نظر محبين ومنصفين له، رغم الانتقادات التي وجّهت إليه، سواء من شباب تسرّعوا في تقييم مشروعه، أو قرأوه مبتسرًا، أو من خصوم سياسيين، لا سيما من بين صفوف أتباع التنظيمات والجماعات التي تتخذ من الإسلام أيديولوجية لها، فهؤلاء لا يزالون يرون في كتاباته خطرًا على أفكارهم، فيطلقون الشائعات حول شخصه، ويشكّكون في انتمائه للحضارة العربية الإسلامية، وينسبون إليه ما لم يقله، ويعرضون آراءه منقوصة ومنبتة الصلة بسياقها، بما يسيء إليه، أو يبذلون جهدًا مضنيًا في سبيل التعمية عليها، حتى لا تبقى مؤثرة في الأجيال الراهنة والقادمة. وقد شاركهم بعض الشيوعيين في وقت من الأوقات، ولأسباب مغايرة، هذا الافتئات على الرجل، وإن كان من بينهم الذين عرفوا قدره، وأنصفوه”.

أما عن الموقف عند طه حسين، الذي يمثّل الزاوية الخامسة، فقد تحدّث حسن عن عميد الأدب العربي الذي “جمع بين التفكير والتعبير والتنظير والتدبير، فصار مفكرًا عمليًا، ومثقفًا منتميًا، إثر خوضه تجربة حزبية، وأخرى تنفيذية حين تولى وزارة المعارف، وثالثة إدارية حين صار عميدًا لكلية آداب جامعة القاهرة، وحين أنشأ جامعة الإسكندرية وأدار شؤونها، وكانت له تجربة مهمة في المعهد العالي للدراسات العربية التابع لِجامعة الدول العربية”.

طه حسين جمع، بحسب المحاضر، بين موقفيْن في طرح أفكاره: الأول جاء “سافرًا متّسمًا بالعناد، ورأيناه في معاركه ضد المنفلوطي حول اللغة، ومحمد حسين هيكل حول الفكر، وجورجي زيدان حول التاريخ. أما الثاني فكان متحايلًا، حين غيَّر بعض الآراء التي وردت في كتابه “في الشعر الجاهلي” وأعاد طباعته تحت عنوان “في الأدب الجاهلي”، وحاول إخفاء يساريته الفكرية، وليست العملية، في كتابه “المعذبون في الأرض” كي يمرّ الكتاب تحت أعين المتربصين بالأفكار الاشتراكية وقتها، وفعل الأمر نفسه في كتابه “الشيخان”، حين أوحى إلى أن ما يرد فيه إن لم يكن معبرًا عن الحقيقة التاريخية، فلا ضير في هذا، نتيجة المكاسب التي تترتب على رفع صورة الشيخيْن، أبي بكر وعمر، في أعين الناس، وإعلاء مناقبهما، ثم اتخذ موقفًا ليّنًا حيال خصوم من أدباء شبّان حاولوا، تسرعًا، أو جهلًا، وربما طموحًا، التقليل من عطائه الأدبي، وحيال أنصارٍ لم يساندوه، كما ينبغي، في حياته، أو حتى بعد مماته، حين زادوا في الحديث عن شخصه، وأنقصوا في تناول أعماله المهمة، على مستوى الشكل والمضمون”.

مواقف طه حسين تمتد، كما يورد حسن، إلى “قضايا أعمق مثل موقفه من العدالة الاجتماعية، والحرية والديمقراطية، ومناصرة حقوق المرأة، والسلطة والأحزاب السياسية، والعلاقة بين الشرق والغرب، وبين القديم والجديد في الفكر والأدب”.

أما الزاوية السادسة: الأفق، فتحدث فيها حسن عمّا تحقق من مشروع طه حسين، وعمّا لا يزال ينتظر، ومصيره، نصًّا ومنهجًا وموقفًا، وهو الرجل الذي كان يخشى “موت الكاتب” بعد رحيله عن الدنيا، أي ضياع منجزه بعد تحلّل جسده، ليصير مجرد ذكرى، تستعاد بين حين وآخر، أو لا يلتفت إليها أحد”

عمّار علي حسن ختم محاضرته بالقول “إن طه حسين باقٍ لأنه لعب دور المثقف المنتمي (أو العضوي)، وصار الناس يستدعونه كلما حفزوا ذوي الإعاقة على النبوغ، وإن اهتمامه بقضايا التعليم، واشتباكه مع قضايا حياتية عديدة، وروعة أسلوبه، وحضور الناس في نصّه ومواقفه، وتقاطعه مع تيارات فكرية وسياسية مختلفة، وثراء عطائه، يجعله بصيرة حاضرة بيننا”.

بعد محاضرة النادي الأُرثوذكسي، فَتح د. أسعد عبد الرحمن رئيس “مؤسسة فلسطين الدولية”، الذي أدار الفعاليتيْن، باب الحوار. وفي سياق إجابة المحاضر عن سؤالٍ حول موقف طه حسين من القضية الفلسطينية، كشف حسن أن حرمان عميد الأدب العربي من جائزة نوبل، يرجع، بشكلٍ رئيسيٍّ لموقفه المؤيد للشعب الفلسطيني، المنتصر لحقوقهم، الرافض قيام الكيان الغاصب فوق أرض مغتصبة من أصحابها، ووقوفه بشكل لا لبس فيه لصالح الحق والتاريخ بالنسبة لموضوع استعمار فلسطين.

المصدر: الحياة الجديدة 

رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=5859

Font Resize