10 August, 2022

في جلسات اليوم الثاني لمؤتمر مؤسسة الدراسات الفلسطينية مبدعون وباحثون يقدّمون مقاربات في التعبيرات الثقافية البصرية والأدبية والمعمارية

كتب يوسف الشايب:

تواصلت في جامعة بيرزيت، أمس، فعاليات مؤتمر مؤسسة الدراسات الفلسطينية في يومه الثاني، تحت عنوان “الثقافة الفلسطينية اليوم: تعبيرات وتحديات وآفاق”، بثلاث جلسات حملت الأولى عنوان “مقاربات في التعبيرات الثقافية والبصرية”، والثانية “تعبيرات جديدة في الأدب”، فيما كانت الثالثة حول “العمارة: النظرية والممارسة”.

وأدارت الكاتبة والباحثة في الفنون البصرية والثقافية رنا عناني الجلسة الأولى لليوم الثاني، والتي شارك فيها كل من الشاعر والباحث في العلوم الثقافية علي مواسي بمداخلة حملت عنوان “خطاب هبّة القدس: قراءة في التعبيرات الثقافية”، والروائي سليم البيك بمداخلة حول “السينما بصفتها هوية: الحالة الفلسطينية في العقدين الأخيرين”، ومؤسس ومدير مؤسسة المعمل للفن المعاصر جاك برسكيان بمداخلة حملت عنوان “يرون أو لا يرون: ملاحظات حول الثقافة البصرية”، والمخرج والمنتج السينمائي مهند يعقوبي وقدم مداخلته حول “مؤسسة الفيلم الفلسطيني: الواقع والمتوقع”، قبل الاختتام مع الفنانة البصرية مجدل نتيل من قطاع غزة بمداخلة حول “انعكاس الحصار على الإنتاج الفني البصري في غزة”.

ولفت مواسي في مداخلته، إلى أن هبّة القدس في العام 2021، والمعروفة بـ”هبة الكرامة والأمل”، أنتجت زخماً من التعبيرات الثقافية شهدته حقول ووسائط متعددة، من ضمنها اللغة (المعجم)، والموسيقى، والأدب، والتصميم الغرافيكي، والتصوير، والفنون التشكيلية، وغيرها، متناولاً جانباً من هذه التعبيرات في ضوء قراءته لخطاب الهبّة ومجتمعها.

ولفت البيك إلى أن العقدين الأخيرين شهدا تفككاً في هوية الحركة الوطنية الفلسطينية، بحيث صعدت المحليّات في مقابل أفول الوطنية، ما انعكس على العمل السينمائي الفلسطيني، بحيث تراكمت صور وسرديات في أفلام لفلسطينيين ما بين العامين 2000 و2020 مُشكِلة بتراكمها هوية وطنية جديدة سينمائيا، تستبدل الوطنية الفلسطينية بمعناها الشامل بمحلية ملائمة لسيرورة، ما كانت تسمى، الحركة الوطنية من تأسيسها في سبعينيات القرن العشرين وحتى اليوم.

وتمحورت مداخلة برسكيان حول الثقافة البصرية، أو القدرة على تحويل اللغة اللفظية إلى المكتوبة أو المكتوبة إلى لغة بصرية، متحدثاً عن الاستعانة ببعض الظواهر السائدة للتفكير في الثقافة البصرية في فلسطين، ومحاولة فهمها في إطار الجهود المبذولة في هذا الاتجاه من المؤسسات التي تسعى للنهوض بالثقافة والفنون البصرية.

وشدد يعقوبي على ضرورة اهتمام مؤسسات الأفلام بنمو المشهد السينمائي الوطني لأي أمة، وعلى الحاجة إلى تطوير قدرات المشهد السينمائي والموارد اللازمة لحفظ تراث السينما الوطنية في ظل صناعة السينما ذات البنية الرأسمالية، لافتاً إلى أن مؤسسات الأفلام عادة ما تكون أدوات حكومية للسيطرة وتشكيل المخيلة السينمائية بالعلاقة مع الإرث السياسي الذي يدفع بتعزيز الرقابة وتقييد الحريات على السينمائيين، ومن هنا برزت تساؤلات انعكست في شكل محاولات لتشكيل رؤى سينمائية تتماشى والتجارب النضالية التحررية، متحدثاً بشكل خاص عن مؤسسة الفيلم الفلسطيني كمحاولة مؤسساتية للتوافق مع حاجات ومتطلبات الفلسطينيين في واقعهم الحالي، بحيث تكون مؤسسة مستقلة، وتسعى لتوفير بنية مالية تضمن ديمومة هذه الاستقلالية التي هي مبرر وجودها.

أما نتيل فتطرقت إلى الانعكاسات التي تركها الحصار وتكرار العدوان على قطاع غزة فيما يتعلق بالتمثيل البصري في الأعمال الفنية، وكذلك استخدام الفن كمحاولة للخروج من الأزمة والشعور بالتهديد المستمر، مدللة على ذلك بعديد الأمثلة لفنانين من القطاع المُحاصر

تعبيرات جديدة في الأدب
وأدار الناقد الأدبي أنطوان شلحت ندوة “تعبيرات جديدة في الأدب”، والتي تحدث فيها الكاتب والناقد فخري صالح عن “رواية الداخل الفلسطيني”، وخاصة ما يتعلق بالوعي الوجودي بالصراع وأشكال السرد الجديدة، متحدثاً عن روايات بعينها كأمثلة للسرد الروائي الذي يكتبه فلسطينيو الأرض المحتلة في العام 1948، بالعربية أو العبرية، ويقترحون فيها وعياً سردياً جديداً ومغايراً، وكذلك تأويلات متعددة للصراع الفلسطيني مع نوع من الصهيونية الجديدة المتجددة الساعية إلى “التطهير العرقي” بكافة أشكاله، خشية الخسائر المتوقعة في معارك الديموغرافيا، والوجود على الأرض، والذاكرة.

أما الكاتبة والروائية والشاعر باسمة التكروري فتناولت في مداخلتها “هل صنعت التكنولوجيا أشكالاً جديدة في الأدب؟”، ما أحدثته الثورة التكنولوجية لجهة تكوين أو خلق أشكال أدبية جديدة خلطت الأوراق والأدوار عبر فضاء النشر الإلكتروني والعالم الافتراضي، والتغيير في النمطيات السائدة لجهة مساحات النشر ومواقعها وطرائقها، ومفهوم الأديب النجم في وسائل التواصل الاجتماعي، ما انعكس على الأدب بكافة أشكاله، وعلى النقد أيضاً، بحيث انفتحت العلاقة المباشرة ما بين الكاتب ونصه وقرائه، طارحة عديد الأسئلة المهمة التي يجب التوقف أمامها طويلاً.

وتحت عنوان “الشعر، السحر، السياسة”، قدمت الكاتبة والشاعرة دالية طه، مداخلة حول الشعر وإمكانية تحوله إلى ميكانيزم “يمنحنا طريقة في تخيّل عالم أكثر راديكالية وتعاطفاً وإنسانية”، متطرقة إلى مفهوم الطمأنية، وإلى أسئلة الشعر التي باتت تلح على الشاعر والقارئ منذ سنوات، وتتفاقم مع الوقت، ومن بينها سؤال الجدوى، والمضمون، والسياسة بالمفهوم الشامل وبالمفهوم الجزئي كممارسة للقائمين على الحكم، متناولة العديد من الجدليات في إطار هذه الجوانب.

وختم شلحت الجلسة بتلخيص ما طرح في الندوة، والتعقيب عليها، بعيداً وليس بعيداً عما كان مقرراً له من مداخلة كان من المفترض أن يقدمها تحت عنوان “في التوازن بين الذات والمجتمع”، لنجده يتحدث حول الأدب وتعبيراته الجديدة التي تعكس حالة من التعبير عن إنسان داخل حيّز خاص بيد أنه غير منعزل عن محيطه الأوسع، ومن هنا تتأتى علاقة الذات بالمجتمع، لافتاً إلى أنه وبحكم تخصصه يلمس هذه التعبيرات الجديدة في الرواية خاصة وفي الكتابة النثرية عامة، وباعتبار الرواية هي الأدب السائد ليشكل ظاهرة “تسونامي” في فلسطين وعلى المستوى العربي أيضاً.

ولفت إلى أن الروايات الفلسطينية التي يكتبها المعاصرون تتميز بانخفاض وتيرة الصراخ والأدلجة، واقتحام مناطق لم يكن قد تمّ التطرق إليها في مجال التجريب كالكتابة “الميتا قصصية”، أو “الرواية الفلسفية”، وتحديها للكثير من التابوهات الاجتماعية والثقافية، ما يؤكد أن منتجي هذه التعبيرات الجديدة في الأدب يبنون علاقة خالية من الخجل أو التنكر أو التورية مع المجتمع، ما يدل على تصالح مع المجتمع من جهة وقدرة فائقة على نقده من جهة أخرى، وغير ذلك.

العمارة ما بين النظرية والممارسة
وشارك كل من الفنان الفلسطيني عاكل الشوملي، والمعمارية لانا جودة، والمهندس المعماري عمر يوسف، والمهندسة والباحثة في مركز المعمار الشعبي دانا عباس، في الجلسة الأخيرة من اليوم الثاني للمؤتمر، تحت عنوان “العمارة: النظرية والممارسة”، وأدارها عميد كلية الفنون والموسيقى والتصميم في جامعة بيرزيت يزيد الرفاعي.

وانطلق النقاش في الجلسة من إشكاليات ممارسة العمل المعماري في فلسطين، وخاصة في الأعوام العشرين الأخيرة، وارتباط ذلك بتعريف المنتوج المعماري كمنتوج ثقافي واجتماعي وسياسي، ووفرة التجارب المعمارية الريادية التي تعمل على إعادة صياغة التجربة المكانية في إطار يرتبط بالواقع المحلي، وكانعكاس لمحدداته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكاستجابة للتطورات العالمية على المستويين النظري والقني، وفق محاور عدة ما بين أطر نظرية وأخرى تطبيقية، وانعكاس ذلك على المنتوج المعماري العام في فلسطين، وآليات تشكل وتشكيل الهوية البصرية المحيطة.

المصدر|| الأيام 

الرابط المختصر|| 

حجم الخط