23 July, 2024

فلسطين في الأدب التونسي: الفكر الثوري والتحركات السياسية

مهدي غلاب

فلسطين وتونس ثُنائية تُؤسس خيوط التكامل والانسجام الوطني، في خضم التراكمات السابقة والمتغيرات السائدة، وهي تُجذرُ روافد البقاء لشخصية عربية صامدة بلا حدود. في كل لحظة نستحضر الوعي الوطني الساكن فينا يولد وطن بطعم ليموني يرسم ما لا يرضاه الطغيان. من خلف العتبات المقدسية الخالدة يرصد لنا القلم التونسي آيات التحدي في فلسطين المحتلة من قبل النكبة إلى ما بعد النكسة.

الكتابات التونسية عن فلسطين قبيل النكبة:

إن مطلع قصيد الشابي الشهير الصادر ضمن ديوانه «أغاني الحياة» عام 1933 القائل:
إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر.
يعد بمثابة دستور للتحدي والمقاومة لتجاوز الحالة العربية المتردية. وبالتوازي مع ذلك نجد كتابات أخرى ترصد وجع المجتمعات العربية، وتسعى لتسليحها بوسائل الفكر الثوري السليم والمعرفة المستنيرة والحماسة الوطنية العربية القومية، وهو حال الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي يعد من بين أهم رواد النضال التحرري التونسي الفلسطيني، وهو مناضل وداعية تونسي حامل للوجع الفلسطيني، ومن أبرز رواد الحركة الوطنية الطلائعية، ونقول إنه فلسطيني بحكم إقامته في فلسطين لمدة أربعةَ عشرَ عاما. وهو من جيل الرواد الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ولد الشيخ عبد العزيز الثعالبي في مدينة تونس عام 1874 وتلقى تكوينا زيتونيا عروبيا إسلاميا في جامع الزيتونة المعمور، ما أهله للتشبع بالفكر والوعي الوطني والشعور بالمسؤولية في النهوض بالأمة، وهو اِتجاه نضالي قاده للاتجاه صوب الأهداف الوطنية التي كرّس من أجلها الغالي والنفيس لتوعية الشعب التونسي بأهمية النضال الوطني ضد نظام الحماية الفرنسية، الذي جثم فوق الأرض التونسية منذ 1881 إلى 1956 حتى بعد وفاته في 1944. وفي بناء المشروع العربي كان من بين المناضلين البارزين المدافعين عن القضية الفلسطينية في كل المنابر، فتوجه شرقا وغربا من طرابلس الغرب ومصر إلى إسطنبول ثم باريس ، للتعريف بالقضية الفلسطينية العادلة في المنابر الدولية كقضية جوهرية تمثل عمق الوعي القومي العربي. فتعرض نتيجة ذلك إلى القمع والنفي والتعذيب جراء مواقفه الوطنية المناهضة للاحتلال، سواء في تونس أو في فلسطين وسُجن ثمانيةَ شهور في تونس بعد اعتقاله في باريس.
من أهم التحركات السياسية والنضالية التي قام بها على الصعيد العربي، نجد لقاءه في باريس مع سعد زغلول والملك فيصل، لتدارس مسألة تحرير البلدان العربية واستقلالها والمطالبة بعد ذلك بخروج الانتداب البريطاني من فلسطين، والمناداة بوحدة عربية شاملة.
وفي منحى آخر تؤكد مشاركته في فعاليات المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في فلسطين مع أمين الحسيني المفتي العام للقدس حتى 1974، بحضور شخصيات عربية ونضالية فاعلة على اهتمامه بمتابعة العمق العربي، في زمن الفعل والتحولات الجغراسياسية الكبرى.
في ضوء ذلك، نجد تزعمه لأهم الإنجازات الثقافية والفكرية من ذلك: إصداره لعدد من الصحف الوطنية والعربية التي انكبت في مواضيعها واهتماماتها على البعد العربي وإمكانيات التحرير على غرار «لو تينيزيان» باللغة الفرنسية سنة 1907 وصحيفة «التونسي» التي لم تدم طويلا حتى تم حظرها من طرف المستعمر لجرأتها في طرح المواضيع العربية الحساسة. وصحيفتا «المنتظر» و»المبشر» للدعوة إلى الوحدة بين العرب، تلي ذلك صحيفة «الرشاد» التي أغلقها الفرنسيون بعد سنة من صدورها.
ثم أنشأ مجلة «الفجر» سنة 1920. وكان يكتب في كثير من الصحف التونسية والمصرية والشامية والعراقية والفرنسية، ويبث عبر قلمه السيال أفكاره النيرة، في جرأة أدهشت قراءه، إضافة إلى قيمة الإنتاجات الأدبية التي تركها، والتي تركزت في كليتها على التأكيد على الهوية العربية الإسلامية، وعلى ضرورة تكريس الوعي العربي لتهيئة مناخ للوحدة الشاملة بين كل البلدان العربية، وإظهار قيم التسامح والعدالة في مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، فأصدر في باريس سنة 1905 كتاب «روح التحرر في القرآن».
تضمن هذا المُؤلف الكثير من الأفكار الإصلاحية التي كانت رائجة وقتها، لاسيما منها المتعلقة بتحرير المرأة المسلمة، ومحاربة البدع، والتمسك بالكتاب والسنة، والدعوة إلى تخليص العقيدة الإسلامية مما اختلط بها من باطل مناف لروح التوحيد الخالص.
كما مثّل إصداره للكتاب الشهير «تونس الشهيدة» الذي أبكى الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة من شدة بيانه وحكمته، توصيفا صادقا ومعبرا للحالة الاجتماعية والنفسية المتدنية إبان فترة الحماية مناسبة لإدانة الاحتلال في كل البلدان العربية، وبالذات في فلسطين في فترة الانتداب البريطاني التي امتدت من 1922 إلى 1947. وقد ترجم هذا المُؤلف إلى اللغة الفرنسية حتى يطلع عليه أكبر عدد من الرأي العام الدولي، الذي يناصر القضايا العادلة وأصحاب القرار في أوروبا، غير أنه سرعان ما تم حظره من طرف السلطات الفرنسية، واعتبر كل من يقرأه عدوا لفرنسا ويحق لها محاكمته في محاكمته. من جهة أخرى فإن اِمتداد الحس الوطني الإنساني التوعوي، كان سببا في اختياره أستاذا في جامعة آل البيت أثناء زيارته لبغداد، فعمل أستاذا للفلسفة الإسلامية في العراق لمدة أربع سنوات من 1926 إلى حدود سنة 1930.

تأجج وهج الكتابات التونسية عن فلسطين بعد عدوان حمام الشط الإرهابي المفزع

كانت أحداث العدوان الغاشم على مدينة حمام الشط في الضواحي الجنوبية للعاصمة التونسية في أكتوبر/تشرين الأول 1985 التي امتزجت فيها الدماء التونسية بالدماء الفلسطينية، شهادة على همجية الكيان الإسرائيلي وتحديه لكل المعايير الدولية والعربية العادلة وغير العادلة. فقد سقط في هذه المجزرة خمسون شهيدا فلسطينيا وثمانية عشر شهيدا تونسيا، وعددا من الجرحى تجاوز المئة. شكلت هذه الحادثة الأليمة منعرجا مهما في تشكل شخصية أدب المقاومة في تونس، فبرز عدد من الأقلام الواعدة والمحرضة على التصدي لسياسات التصفية والتنكيل والتقتيل، واتسع أفق المجال النصي في الشعر والرواية، باكتساب المزيد من الحرية النضالية، سواء على الصعيد الوطني أو العربي، وتطورت الأشكال الشعرية وتنوعت مضامين التعبير، خاصة بعد اعتماد شعر التفعيلة وقصيدة الفراغ التي تعبر عن هموم مكبوتة لا يكتبها الشاعر وقصيدة النثر، التي تجلب القارئ لمعانقة الكلمة وتربطه بالرسالة الوطنية بأشكال تجريدية تارة وتأجيجية طورا. ومن أبرز الشعراء التونسيين الذين كتبوا عن القضية الفلسطينية نجد الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد، الذي كتب عن المقاومة والتحرير في كتابه «مسودة وطن».
*نماذج ومطالع من القصائد التونسية عن القضية الفلسطينية:
من بين أهم الذين كتبوا عن القضية الفلسطينية واعتبروها منبرا لتكريس الاحتفال بالوشم العروبي، وتدوين الوجع الذي ظل يصارع العدم والإفلاس. نجد أقلاما برزت منذ مطلع القرن العشرين أمثال الشاذلي خزندار، الذي عارض اختيار فلسطين وطنا لليهود، إذ يقول في هذا المطلع أمام المقيم العام مورينو في تونس:
نادتك يا أختها الخضراء فلسطينُ صنوان في الرأي بلفور ومورينو
هذا المحبذ صهيونية مُلئت حمقا وذاك بالتجنيس مفتون.
وهكذا كان شأن الشاعر المعروف المنتمي لجماعة تحت السور مصطفى خريف (1909-1967) ابن الكوفة الصغرى (نفطة) في جنوب تونس الذي يقول في أحد مطالعه:
حل وَغدٌ واغِدٌ في حرمي ورعا حول الحما واستلبا
ساد في قومي وحش جائع وسطا في أرض جدي الغُرِبا.
وقال كذلك بمناسبة عيد العروبة (1947-1948):
عدْ، فَدَتْك دِمانا
وَاِقْبَلْ تحيَتَنَا ومَحْضَ هَوانَا
عُدْ بالبشائِرِ، ناشِرا عَلَم المُنى
طَلْقا طَرُوبا ضَاحِكا جَذْلاَن
ثم بعد ذلك نستحضر تلميذ العلامة الطاهر بن عاشور وهو الشاعر الطاهر القصار، الذي امتدت تجربته الطلائعية المبكرة لأكثر من سبعين عاما، كان فيها بمثابة النجم الساطع في سماء البلاد العربية، ونورد في هذا الباب مقطعا من قصيدة كتبها عن بداية الاحتلال في 1948 يقول فيها:
صهيون حم القضا قُم ناد بلفورا
وقل وعدتُ فكان الوعدُ مغفورا.

المصدر// القدس العربي

رابط مخصر||https://palfcul.org/?p=6804

Font Resize