15 April, 2024

“غيوم على الشيخ جراح”.. رواية الاغتراب والعودة لأرض فلسطين

توفيق عابد‎‎

الصبر والثبات والمقاومة والعودة إلى الوطن من الاغتراب والمقاومة عناوين رئيسية لرواية “غيوم على الشيخ جراح” للروائي والناقد الأردني محمد القواسمة، والتي تضم 178 صفحة من القطع المتوسط.

الرواية -التي أهداها الكاتب “إلى الذين أحبوا القدس بدمائهم الزكية ودافعوا عنها بصدورهم المؤمنة وحجارتهم المقدسة”- تمتاز بلغة راقية جاذبة لدرجة يصعب تركها بعد قراءة صفحتها الأولى، فكاتبها ينقلك من موقف إلى آخر ومن شخصية لأخرى مثيرا حالة من التضامن والتعاطف مع سكان الشيخ جراح وما يلاقونه من استفزازات واعتداءات شبه يومية على بيوتهم وسياراتهم وممتلكاتهم، فـ”المستوطنون يدمرون ونحن نعيد البناء”، وفق ما جاء في الرواية.

والمتصفح للعمل الروائي يكتشف عالما من الرموز والحكايات، فشخصية البطل “صادق” لم تأتِ من فراغ، بل تحمل إشارة تاريخية إلى مليك صادق أو ملكيصادق العربي الكنعاني الذي حكم القدس التي كان اسمها يبوس في القرن الـ19 قبل الميلاد.

القواسمه من يعيش في القدس لا بد وأن يتعلم الصبر وكيف يقاوم
القواسمة: من يعيش في القدس لا بد أن يتعلم الصبر وكيف يقاوم (الجزيرة)

“لن أبيع ولن أرحل”

وإضافة إلى جماليات السرد وسلاسة اللغة المباشرة تثير الرواية أسئلة في سياق التخييل وترجمته على الواقع المعيش في الشيخ جراح، فالقواسمة يقدم خيالا خصبا وجريئا عماده الإثارة والتشويق في ترجمة ما جرى ويجري هناك وكأنه وسط الأسر في مقارعتها مستعمري المحتل وجنوده.

كما يحمل “صادق” توكيدا على مصداقية الفلسطيني وانتمائه إلى أرضه مهما طال الاغتراب خارج الوطن، فهو مغترب في أميركا عاد ليحول دون استيلاء الاحتلال على بيت والده بعد وفاته باسم قانون أملاك الغائبين، القانون الذي سنه الاحتلال لمصادرة بيوت العرب وإسكان المستعمرين مكانهم.

“لا أريد أن أرحل عن القدس، لن أترك هذا البيت، سأموت فيه كما مات أبي، يا أخي لن أبيع ذكرياتنا بأي ثمن”، يقول صادق وهو يرد على سمسار حضر بملابس أنيقة لشراء البيت ووضع أمامه شيكا مفتوحا.

ويتواصل الحوار مع السمسار الذي حاول إغراءه وتهديده “من الأفضل أن تبيع البيت وتحصل على أي مبلغ تريده وتحقق أحلامك في أميركا”، ليواجهه بطل الرواية “صادق” كما قال النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- لقريش “لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري”، وهذا موقف وطني يرد على الذين يشيعون أن الفلسطينيين باعوا أرضهم.

ورغم قتامة الأوضاع في الشيخ جراح جراء هجمات المستعمرين ومحاصرة الحي والتضييق على سكانه فإن رواية “غيوم على الشيخ جراح” مشحونة بالأمل والتفاؤل شأن روايات الكاتب السابقة “سوق الإرهاب”، و”الغياب”، و”الحب ينتهي في إيلات”، و”وجع الفراشة”، و”وداعا ساحة النخيل”، و”حبيباتي الثلاث”، و”فهمان في عمّان”، و”لعنة الفلسطيني”، و”المحاصر”.

وحسب رأيه، فإن الكيان لا يعرف إلا العين الحمراء، ومن الصعب الشكوى على المستعمرين لقضاة من المستعمرين أو المنحازين لهم كما حصل مع بيت عائلة الرامي “صاروخ واحد من غزة يوقف هذه المهزلة”.

تتناول الرواية في مجريات أحداثها لمن سماهم الروائي “خونة وعملاء لكن مصيرهم معروف”، في إشارة إلى خائن توفي فلم يصلِّ عليه أحد ولم يدفن في مقابر المسلمين، بل دفنه من شغلوه في مكان مجهول.

“أخالف مقولة ابن خلدون”

ويعود “حاييم” -وهو من أتباع الحاخام عباديا الذي يصف الفلسطينيين بالحشرات- ليشتري البيت وقدم شيكا مفتوحا إلى “صادق” بطل الرواية الذي يواجهه برد عنيف “مهما تدفع فلن أبيع بيت أبي ولن أترك هذه المدينة”، ليرد حاييم “الحكومة في يوم ما ستأخذه بالغصب”، ليجيب صادق “سأقيم خيمة أعيش فيها وأنتظر زوال دولتكم”، ليرد حاييم “دولتنا لا تزول خبيبي”، ويجيبه صادق “يا حاييم، معرفتكم مبنية على الكذب والدجل، ومعرفتنا على الواقع والحق”.

الرواية وعلى لسان بطلها تصحح معلومة عن تحرر جنوب أفريقيا والهند من الظلم والتمييز العنصري والاستعمار بالحب والزهور، فليس صحيحا أن “غاندي ومانديلا انتصرا بالحب وحده، والحقيقة أنهما مزجا الحب بالرصاص في أحيان كثيرة”، بحسب الرواية.

ورغم أن الرواية تفرد كثيرا لصمود أهل حي الشيخ جراح وتعرضهم لصنوف الترهيب والمضايقات من المستعمرين وجنود الاحتلال وتكسير بيوتهم والتنغيص على حياتهم فإنها تضيء حالة عاطفية في أرض الصابرين أو ما سماه الكاتب “لقاء الشاي والحب” بين البطل صادق وامتنان وهي تتزين بمريول المدرسة (الزي المدرسي) وبينهما ذلك الحب الصوفي، حب يقوم على الذكريات ويتجدد باللقاء، لكن بطله اضطر لدفن هذا اللقاء في أغوار النفس حفاظا على زوجته “قمر” التي -كما جاء في الرواية- لا تسمح رغم تقدمها في العمر بأن يقترب من أي أنثى، فهي تثور في غيرة لا تهدأ.

وعندما طلبت العائلة خادمة لمساعدتها تقدمت “امتنان” لتكون قرب الحبيب ومساعدته أثناء مرضه، في إشارة إلى وفاء المرأة الفلسطينية وأن الحب الأول من الصعب تجاوزه، بل يبقى مختزنا في الأعماق وسرعان ما ينفجر لحظة لقاء الحبيب.

هنا ولدنا وهنا نموت

وتشهد الرواية تبدلا في المواقف أو ترتيب الأولويات، فبعد أن كان موقف “قمر” لا أطيق العيش هنا تصدت لجنود الاحتلال أثناء اقتحام بيتها “تفتيشا عن مخربين” بحثا عن فتاة طعنت مجندة ولاذت بالفرار وقالت لقائدهم “هذه هي ديمقراطية إسرائيل التي تخدعون بها العالم”، وقررت البقاء تناضل مع زوجها المريض الذي رفض العودة إلى أميركا وأكد “لا أستبدل ذرة من تراب الشيخ جراح بأميركا.. هنا ولدنا وهنا نموت، حضروا إلى بلادنا ليعيشوا فيها دون أن تربطهم بها رابطة، كيف ونحن أجسامنا وأرواحنا من ترابها، لا يستطيع الإنسان الغياب الأبدي عن وطنه”.

كما تكشف “قمر” كأميركية تطلب حماية موقف السفارة الأميركية التي اشتكت لها عنف المستوطنين وتكسير نوافذ منزلها ورمي القاذورات، وكان ردها “عليكم الحرص على عدم استفزاز المستوطنين”، فقررت شراء مسدس للدفاع عن النفس “هؤلاء لا يفهمون غير القوة، على الأقل نموت ونحن نقاوم ولا ندعهم يقتلوننا مثل النعاج كما فعلوا عندما أحرقوا بيت عائلة دراوشة، كل الشرائح تبيح لنا الدفاع عن أنفسنا، من شريعة حمورابي إلى شريعة الأمم المتحدة”.

وحسب بطل الرواية، فالقدس لا تحتمل الضجيج أو العنف، مدينة تتصل بالسماء، من فيها عليهم أن ينظفوا صدورهم من الحقد والبغض.

صادق.. شخصية تاريخية

وفي حديث للدكتور محمد القواسمة قال إن “الغيوم في عنوان الرواية ترمز إلى ما يعانيه الشيخ جراح، وهو عنوان القضية الفلسطينية، سيزول كما تزول الغيوم رغم أنها مثقلة بالهموم والأحزان والتضحيات، فنضالات أهل القدس التي تلتقي مع المقاومة في أنحاء فلسطين تحمل معاني الأمل والتفاؤل بالمستقبل الفلسطيني المشرق”.

وقال للجزيرة نت إن البطل “صادق” شخصية من التاريخ الفلسطيني وليست خيالية، يحمل حنين العودة ومصداقية انتمائه للقدس وتاريخ بلدة المضيء “من يعيش في القدس لا بد أن يتعلم الصبر وكيف يقاوم” وكذلك شخوص الرواية، مضيفا أنه استقى معلوماته أو مرجعياته من مصادر متنوعة، وما كتبه المؤرخ كامل العسلي شكّل رؤية وتخيلا لما سيكون عليه مستقبل القدس وما يجري من غيوم ستتلاشى.

وحسب رأيه، فالرواية ليست تاريخية أو توثيقية وإن استندت إلى مجريات الواقع، لكنه استفاد من التاريخ ليقيم مبنى إبداعيا يحمل جماليات المكان وما يجري في الشيخ جراح بأمانة ومصداقية.

زياد أبو لبن رواية ملحمية لشعب قدم قوافل الشهداء
زياد أبو لبن: الرواية ملحمية لشعب قدّم قوافل الشهداء (الجزيرة)

رواية ملحمية

بدوره، يرى الناقد الدكتور زياد أبو لبن أن القواسمة قدّم روايات ناضجة على المستوى الفني والمضامين التي يطرقها في أعماله، فرواية “غيوم على الشيخ جراح” رواية ملحمية لعمل بطولي في حي الشيخ جراح في القدس، وهي بطولة جماعية لفعل المقاومة الفلسطينية في وجه الاحتلال.

ووصف أبو لبن -وهو رئيس أسبق لرابطة الكتاب الأردنيين- العمل الروائي بأنه متماسك ومثير للدهشة من خلال الاشتغال على تقنيات السرد الروائي “ولعل اشتغاله (القواسمة) في مجال النقد الأدبي في مؤلفاته العديدة قد نبهه للقيم الجمالية والفنية في مرتكز عمله الروائي وتناول الأحداث والشخوص والتنقل في المكان والزمان بضوابط احترافية لا تتأتى إلا لمن قطع شوطا في الكتابة السردية وامتلك أدوات النقد الأدبي الحديث”.

وفي رده على سؤال للجزيرة نت قال أبو لبن إن القواسمة استطاع في “غيوم على الشيخ جراح” أن ينقل القارئ من واقع حقيقي تدور فيه الأحداث إلى واقع روائي متخيل “واقع ممزوج بمتخيل روائي” رغم أن الأحداث تمت في أصلها إلى واقع حقيقي، لكن متعة القارئ في سردية ملحمية تثير أسئلة كثيرة، وهي أسئلة الرواية المشتبكة مع الراهن أو الواقع وكما يسميها النقد الواقعية الغرائبية أو العجائبية.

وختم حديثه بأن الكاتب يفكك الواقع ثم يعيد بناءه من جديد، ولا يخفى على القارئ أن العمل سيرة نضال شعب قدّم قوافل الشهداء وما زال يقدم الكثير من النضالات التي هي أشبه بالمعجزات أو أبطال الملاحم التاريخية.

المصدر : الجزيرة
رابط مختصر||https://palfcul.org/?p=7117
Font Resize