5 December, 2022

عائدون إلى الحياة.. رواية “فتية النفق” تحاكي قصة بطولة حقيقية في غزة

رائد موسى

غزة – “أنصح بألا يقرأ رواية (عائدون إلى الحياة) إلا محب عاشق لفلسطين وأبطالها، وأن تكون أعصابه فولاذية مثل أعصابهم وكفى”.

هذه الكلمات هي رد فعل قارئ أردني على رواية “عائدون إلى الحياة-فتية النفق” للكاتب والروائي الفلسطيني سعيد أبو غزة، التي صدرت حديثاً، وعرضت للمرة الأولى قبل أيام في “معرض الدوحة الدولي للكتاب”، وهي محاكاة لقصة حقيقية وقعت أحداثها في غزة، إبان الحرب الإسرائيلية الثالثة عام 2014.

ولأنها توثق واحدة من قصص البطولة لمجموعة من المقاومين الفلسطينيين خلال الحرب، كان إهداء أبو غزة في مقدمة الرواية “لأولئك الفتية.. الذين يزرعون الورود في عمق النفق”.

أصل الحكاية
يقول أبو غزة للجزيرة نت إنه استوحى فكرة الرواية من حكاية مقاومين حوصروا لأيام طويلة داخل نفق في جنوب قطاع غزة، استهدفته غارات جوية إسرائيلية خلال حرب عام 2014، ودمرت “فوهة الخروج”، ومن هنا بدأت فصول الصراع بين الموت والحياة.الأبطال الحقيقيون للقصة هم مقاومون من “وحدة الكوماندوز” التابعة لكتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، قضوا 25 يوماً داخل النفق، بعد انهيار أجزاء كبيرة منه أغلقت مخارجه، إثر غارات جوية إسرائيلية مكثفة.في ذلك الوقت، اكتفت المقاومة بنشر خبر مقتضب عن إنقاذ أفراد هذه الوحدة، من دون مزيد من التفاصيل، ليتداول أهالي غزة حكايات من الصمود والبطولة عن هؤلاء المقاومين الذين انتصروا على الموت بالقليل من التمر، وبانتزاع الماء انتزاعاً من الأرض بواسطة قطعة من القماش، كانت كافية للبقاء على قيد الحياة لأكثر من 3 أسابيع داخل نفق مظلم.

وعندما لم يجد أبو غزة تفاصيل الحكاية الحقيقية، ترك العنان لتفكيره وخياله، لينسج “رواية بوليسية” تقع في 166 صفحة من القطع المتوسط، استغرق في كتابتها عاما كاملا.

البداية
وظف أبو غزة شخصيات متنوعة في أدوارها ووظائفها الحياتية، لتشكل ما أطلق عليهم “فتية النفق”، وهذه المجموعة التي اختارت المقاومة أفرادها بعناية فائقة، بمثابة “اللبنة الأولى من وحدة العمليات الخاصة”، لتخوض -وفق الرواية- تدريبات عسكرية متقدمة خارج غزة، بغية تنفيذ عمليات خلف خطوط العدو.تندلع الحرب الثالثة على غزة في أحد الأيام الرمضانية، واستمرت 51 يوماً، ويأتي دور هذه المجموعة لتنفذ ما تدربت عليه عملياً، وتنجح في تنفيذ عملية نوعية، وخطف جندي إسرائيلي، وبينما كانت تهم بالدخول به إلى داخل النفق، تتعرض لقصف جوي إسرائيلي، أسفر عن استشهاد عدد من المقاومين ومقتل الجندي الأسير.

علق 7 مقاومين في مسافة 10 أمتار داخل النفق، الذي أغلق من أمامهم ومن خلفهم جراء قوة القصف الجوي، وانقطع الاتصال اللاسلكي بغرفة القيادة، وبعد لحظات من الصمت دفن خلالها القائد رأسه بين ركبتيه ويداه أعلى رأسه في جلسة القرفصاء، انتزع من جعبته قارورة ماء وكيساً يحتوي على 10 حبات من التمر، ووضعها أمامهم، ففعل الجميع ذات الفعل، فتجمعت لديهم 7 قوارير من الماء و70 حبة من التمر، شكلت ما وصفه أبو غزة في روايته “غرفة طوارئ للمؤن”.

الخلاص بالبوح
في هذا الفصل من الرواية الذي عنونه أبو غزة بـ “الخلاص بالبوح”، كان محاكاة لقصة الفتية الثلاثة الشهيرة، الذين علقوا داخل كهف أغلق مدخله بصخرة كبيرة، فلجؤوا إلى الله، يدعونه ويتقربون إليه بعمل لا يعلمه أحد، وكلما انتهى أحدهم من حكايته انفرجت الصخرة قليلاً حتى تمكنوا من النجاة.

داخل النفق في رواية “عائدون إلى الحياة”، تساءل قائد فرقة المقاومين، بينما أسند رأسه إلى جدار النفق، عن صعود الروح والعذاب، وقال “هو الله خالق الحب والحياة، هو الذي يدخل الأكسجين لنتنفس الآن، هو القادر على انشقاق الأرض لنخرج، أو أن تبتلعنا الأرض أجساداً متعفنة تتحلل طعاماً للدود”.واسترسل في طرح أسئلته “هل وجودنا الآن في نفق الموت اختبار من الله؟ هل ما نحن فيه عذاب وفي عذابه عين الرحمة؟ ربما أنفسنا تائهة تحتاج إلى عتمة قبر أولية لكي تستفيق أرواحنا، لتصفو وتذهب إلى الله نقية”.وواحدا تلو الآخر، بدؤوا يناجون الله بأعمال خير، ويروون تفاصيل مرت بهم في حياتهم وكانت سبباً في تشكيل شخصياتهم، ويقول أبو غزة “رطوبة النفق وظلمته أعادت أجسادهم إلى الأصل (تراب)، أعادتهم لأجساد خام وأرواح أولية تتشكل من جديد، بعدما لفظت سواد ما فوق الأرض وما تحت الشمس”.

9 أيام مرت على المقاتلين المحاصرين داخل النفق، صادف التاسع منها يوم عيد الفطر، ويصف أبو غزة صعوبة هذه الأيام بأن حبة التمر وكمية من الماء تعادل غطاء زجاجة بلاستيكية، طوال اليوم، أصبحت لديهم أغلى من كنوز الأرض، وأشهى من أحضان النساء باهيات الجمال.

كانت الأيام تمر على المحاصرين ثقيلة، غير أنها لم تخل من المعجزات، ولم تكن بطلة واحدة منها سوى نملة أطلق عليها أحد المقاومين اسم “سمارة”، هدتهم إلى استخلاص الماء من أرض رطبة بواسطة “فانلة داخلية” انتزعها أحدهم من على جسده الهزيل، وأخذ يمررها على شفاه رفاقه.في اليوم الـ27، وإثر إعلان وقف إطلاق النار، تمكنت وحدة الهندسة في المقاومة من إنقاذ 6 من المحاصرين، وانتشال جثمان سابعهم ويدعى “صقر”، الذي استشهد وهو يحفر بأظافره في محاولة أخيرة منه للعودة إلى الحياة.

هذه ليست كل التفاصيل، فالكثير من الألم في ثنايا هذه الرواية التي يصنفها صاحبها أبو غزة بأنها “أدب مقاوم”، ويرى أن توثيق قصص البطولة للشعب الفلسطيني في حربه المفتوحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، أمر في غاية الأهمية، وبمثابة “الزاد” للاستمرار في النضال حتى استرداد الحق المسلوب.

المصدر : الجزيرة

الرابط المختصر|| https://palfcul.org/?p=3863

Font Resize