7 December, 2022

شمس الدين السخاوي: القدس زمنَ المماليك

يعرّف المؤرّخ المصري شمس الدين السخاوي (1427 – 1496) التاريخ بأنه “الإعلام بالوقت” وأَنّه “فنٌّ يبحث عن وقائع الزمان في العالم”، إذ يعطي أهمّية بالغة للحدث والزمان معاً، على هدي مؤرّخي أواخر العهد المملوكي الذي شهد تطوّراً في مناهج الكتابة والبحث، من خلال التركيز على الجوانب الفكرية والاقتصادية والعمرانية في توثيق الحدث.

وتُعَد ّمؤلّفات السخاوي شاهداً على نهاية حقبة تاريخية استفاد علماؤها من مدارس وتيارات سابقة ــ وعلى رأسها ابن خلدون ــ اعتمدت في تأويل الخبر على الاستدلال الفلسفي، والبناء المنظّم والموضوعي لوقائعه، والنظرة المحايدة تجاهها، والتفكير الواقعي الذي طغى على الانحيازات والأهواء.

تلفت المؤلّفة في تقديمها إلى أن أهمية الكتاب تكمن في أمرين، أولهما الكمّ الكبير من المصادر التي استخدمها المؤلّف في جمعه لمادته، ولم تقتصر على ما هو مدوّن، بل شملت ما شاهده وما حصل عليه من معلومات عن طريق الاتصال المباشر بمترجمين، مستفيداً من رحلاته إلى عدد واسع من مناطق مصر ثم إلى كلّ من بلاد الشام والحجاز، وثانيهما أن هذا التنوّع في مصادره جعل مادته تزخر بمعلومات ثرية واسعة عن مختلف أنشطة الشخصيات التي ترجم لها.

وتمنح هذه المعلومات، بحسب الفاخري، صورة واضحة عن أوضاع الدولة والمجتمع خلال ثلاثة قرون هجرية: الثامن والتاسع والعاشر، ومن خلال استخدام المنهج الإحصائي يتعرّف القارئ على أنشطة المقادسة التي عايشها في آخر رحلة له زار خلالها حلب وحماة ودمشق أيضاً، وشكّلت أهمّ رحلاته بسبب لقائه كبار المحدّثين في تلك الديار.

تسترشد الباحثة بخمس طبعات من كتاب السخاوي، صدرت أقدمها عام 1934 عن “مكتبة القدسي” في القاهرة، والتي استند ناشرها في تثبيت النص إلى ثلاث نسخ محفوظة في “دار الكتب المصرية”، و”المكتبة الظاهرية” في دمشق، و”المكتبة الآصفية” في الهند، واختارت منها 390 شخصية مقدسية من أصل حوالي 12 ألف شخصية شامية ومصرية ويمنية وهندية وحجازية ورومية وغيرها كتب عنها المؤرّخ المملوكي.

الصورة
غلاف الكتاب

لا تقتصر التراجم على العلماء والأدباء والمسؤولين، إذ تزخر بأسماء مشهورة من خارج تلك الفئات، ومنها “أبجد”، وهو يُنسب إلى طائفة المجاذيب الذين غالوا في التصوّف، وأحمد بن محمد التنوخي الحموي الذي كان حافظاً للشعر وأخبار الناس وبارعاً في الفروسية ورمي النشّاب، وعلي من منصور بن زين العرب، وكان من أثرى تجّار القماش في المدينة.

يضيء السخاوي في ترجماته على نسب كلّ شخصية تعود إلى إحدى الحواضر الإسلامية شرقاً وغرباً، ودرجة علمها والأساتذة الذين تلقّت العلم على أيديهم، ومؤلّفاتهم، والمناصب التي تولّتها بين القضاء والولاية والنيابة والإمامة وصولاً إلى خزن الكتب أو خدمة المسجد، دون إغفال لأبرز النوادر أو المواقف التي تعرّضت إليها كلّ شخصية.

ويوثّق المرض لدى معظم الشخصيات المترجمة، حيث يروي أن محمد بن علي الرباطي أصيب بالبرص فوضع على يده المراهم فانتفخت وخرج منها سائل حتى مات، وكانت الأوبئة أحد أبرز العوامل التي أدّت إلى تناقص عدد سكّان بيت المقدس منذ القرن التاسع الهجري. كما يستعرض العديد من القصص التي تبيّن طبيعة العلاقات بين الشخصيات العامة، فيروي أن الإمام محمد بن أبي طاعة ضُرب من قِبَل أتباع قاضٍ لأنه مدح سلَفَه حتى مُزّقت كتبه وقُطّعت أشلاؤه حتى فارق الحياة.

يمنح الكتاب صورة حول التركيبة السكّانية لأهل القدس، والهجرات التي كانت تأتي إليها من القبائل المحيطة أو المدن المجاورة، وكذلك الوضع الإداري والوظيفي فيها، والمراكز العلمية والدينية من مساجد ومكتبات وزوايا، ومدارس مثل الأشرفية والتنكزية والدويدارية وموادّ التدريس فيها، ومراحل التعليم، ودور المرأة التي نالت 19 ترجمة من ترجماته، والأحوال الاجتماعية وما أصاب المجتمع من فساد وانحطاط وصِلة ذلك بالظروف الاقتصادية.

المصدر: العربي الجديد 

رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=5572

 

Font Resize