6 December, 2022

شعراء يحتفون وآخرون يتوجسّون …..ماذا قالوا في يوم الشِّعر العالمي ؟

بيت فلسطين للثقافة – فايز أبو عيد 
في يوم الشعر العالمي الذي اعتمدته منظمة اليونسكو في الواحد والعشرين من شهر مارس آذار من كل عام ، لا يمكننا إلا أن نتذكر من شَغلهم الشّعر وعجنوا جهودهم بجراحاتهم وأوقاتهم وأعصابهم حتى يبقى المشهد واضحًا وحاضرًا، عصيًا على النسيان ولا يضيع، وحتى تتناقله الأجيال لأنه إرثهم الذي ورثوه جيلا بعد جيل.
فمع تصاعد المعاناة وتوالي الأزمات منذ عشرات السنين، تصدح دوما حناجر الشعراء بكلمات صادقة نابعة من القلب من أجل نقل الواقع واحقاق الحق، والتأكيد على حقوق الإنسانية المشروعة المختلفة.
بيت فلسطين للثقافة فتح ملفاً خاصًّا لهذه المناسبة والتقى عدد من الشعراء والكتاب وسبرت آراءهم حول أهمية يوم الشعر العالمي، وما هو المطلوب من الشاعر في قضايا الأمة، وهل ستحضر القصيدة الشعرية بشكل أكبر في زمن الإعلام الرقمي؟ فكان هذا التحقيق.

يوم عرفان :
الشاعر الفلسطيني “محمد عبد الرازق أبو مصطفى” ، والمقيم في اليمن عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، اعتبر يوم الشعر العالمي مناسبة جميلة ورائعة ومتجـدّدة تكريماً وتقديراً للشعراء والعرفان بجهودهم الدؤوبة في التفاعل مع قضايا أمـّـتهم وحمل همومها وجراحها والرقيّ بها نحو الأسمى والأفضل والأجمل ، ولإعطاء الشعر قيمته في زمن ٍ طغت فيه المادّيـات بكل أشكالها وعنفوانها ولإعادة الشّعر إلى مكانته السامية والرفيعة والمـُـشـرّفة.
وأضاف في حديثه لـ “بيت فلسطين للشعر”: أنَّ للقصيدة الشعرية حضورها الفعـّـال والمؤثر والمتميـّـز والرائع رغم طغيان الإعلام الرقمي وذلك لجمالها وعظمة إيقاعها في أحاسيس المتلقــّـي وملامستها لهموم الناس ومشاكلهم ، والشعور بمعاناتهم والعمل على إحياء الأمل فيهم رغم الظروف الصعبة والقاسية التي تحيط بالأمة من جميع الجهات.
وحول المطلوب من الشاعر في قضايا أمـّـته أشار إلى أنه على الشاعر أن يجعل جــُـل َّ اهتمامهِ بقضايا أُمته، وحمل قضاياها في شعره وفكره في حـِـلــّـه ِ وتـِرحاله ِ، ويعالج أهم ّ المشاكل التي تنوءُ بالأمة ِ وتــُـثـقـِـل ُ كاهلها، والتركيز على الشباب ودورهم وتوعيتهم للتـصـدّي للأخطار المـُـحدِقة بهم وبأمـّـتهم وتحفيزهم على المـُـضي ّ في طريق البناء والتقـدّم والازدهار، و أن تكون كتاباته وقصائده ملامسة ً أقرب ما يمكن لواقع الأمة ِ وتحـَـســّـس ما تعانيه من المشاكل والأخطار، والنهوض بالأمة ودعوتها إلى توحيد صفوفها في مواجهة الأعداء وتجاوز خلافاتها، والتركيز على قضية المسلمين المركزية وهي قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى وبذل الأرواح في سبيل تحريرها من الصهاينة المغتــَـصـِـبين.

هوية وموروث حضاري :
أشارت الشاعرة القطريّة سميرة عبيد إلى أنَّ العرب كانوا في الجاهلية يَرون في الشعر إلهً للثقافة ، وكان نبوغ شاعر في القبيلة يساوي مجداً لها لا يضاهيه مجد، وقد قال أحدهم في معلقة عمرو بن كلثوم” ألهت بني تغلبٍ عن كل مكرمةٍ.. قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثومِ”، من هنا تأتي مناسبة اليوم العالمي للشّعر بالضرورة احتفاء بتاريخ أسلافنا وثقافتهم وأيضا ما نملكه نحن، فالثقافة الإنسانية هي عبارة عن تراكمات للعادات الأدبية والفنية والثقافية التي برزت في كل عصر وتشكل في السياق العام هوية لكل شعب وتاريخ وموروث حضاري يُضاف إلى رصيد الثقافة الإنسانية، والاحتفاء بيوم يتم تخصيصه لمثل هذه المناسبة لا يعني أننا لا نحتفي بها إلا في هذا اليوم فقط بل هو فقط يوم رمزي نُكرّس جهودنا لرصد معالم التطور في سياق القصيدة العربية ، وما استطاعت أن تبلغه حتى اليوم وتحققه من أمجاد ونبوغ تأكيداً لفكرة الجاحظ مُعلّم الأجيال “ما على الناس من شيءٍ أضرّ من قولهم ما ترك الأول للآخر شيئا” ، ومثله كذلك قول أبو عثمان المازني: “لا ينفع المُتقدم تقدمه إذا قصّر، ولا يضرّ المتأخر تأخره إذا أجاد” وارتقاء لجنون فيلسوف الشعر العربي أبو العلاء المعري في قوله: “وإنّي وإن كنت الأخير زمانه .. لآتٍ بما لم تستطعه الأوائلُ”.

بيان نافذ إلى القلوب والعقول :
بِدوره قال الشاعر الكويتي أحمد الكندري : ” إنَّ الشِّعرَ بيانٌ نافذ إلى القلوب والعقول، وموسيقى فنية تتجلى في كل تفعيلة وقافية، وبصيرة تمشي على خطى الكلمات، فمن احتفى بالشعر ظفر بالعادات وابتهج القلب من حُسنه وحكمته، مُضيفاً أنّ القصائد ستبقى خالدة أكثر في هذا الزمن، بسبب سهولة التدوين والتصوير والتسجيل، والعبرة بالشعر بروحهِ ومعانيه، فمتى كانت الرُّوح حية قوية والإبداع حاضرا ومتميزا وكان الصدق فيها نافذا سترى آثار الشعر في الآفاق أن يكون إنسانا بإحساسه وحُرًّا بكرامته ومبادئه وغيورا على دينه وأمته.

لا أحد يستطيع كتم صوت الشاعر :
قال الأكاديمي والشاعر الفلسطيني خليل قطناني إنَّ يوم الشعر العالمي هو مناسبة لاجتماع الشعراء جسديًّا أو إلكترونيًّا، ليجددوا العهد ويتبادلوا الأفكار، ويصبروا ويصابروا، ويتعاونوا على النهوض بقضايا الأمة.
فرُبَّ شاعر يكون قد بلغ منه اليأس مُبلغاً عظيماً لما يَراه من تكالب أعداء الأمة عليها وتقصير أهل الحق في الدفاع عن حقهم.
فحين يلاقي إخوانه من الشعراء تدب فيه الروح من جديد، وتتدفق في عروقه دماء النشاط، حين يرى هِمَّة إخوانه من الشعراء، صحيح أنَّ التفاعل الرقمي يمكن أن يسهم في تعزيز دور الشعر العربي، الشعبي منه والرسمي، ولكن الاهتمام يصب أولاً على العقل المثقوب. وصناعة الجماهير وفكرة الإلهاء التي تحدث عنها الأديب الروسي “تشومسكي”، أو صناعة الأزمات.
ورأى قطناني أنَّ ما نسميه اليوم العالمي للشعر، أو يوم الثقافة الوطنية، أو مسابقات أمير الشعراء وشاعر المليون ووو، ليس الهدف منها إحداث التغيير. على مستوى الذات في مواجهة الآخر، لكنني في الحقيقة أجد أن الأمر جد خطير وصعب، كيف أقنع جائعاً أنا الشاعر ” أنَّ القمر ليس رغيف خبز ! المشكلة أعمق بكثير من أن يكتب الشاعر قصيدة تمجد أو تذم. أو تصور أو تصور المشكلة في الواقع الصَّنمي الذي تمارسه أصنام الثقافة، والثقافة السلفية “على حد قوله .
وأضاف قطناني : كنت قد كتبت شيئاً قريباً من هذا الموضوع على صفحتي الخاصة في الفيس بوك، وشرعت بكتابة مقالة حول ذات الموضوع، انطلقت فيها من مُحددات مثل : ما وظيفة الشعر ؟ وهل فقد الشعر وظيفته ؟ ما دور الشعر في الواقع ؟ وهل بقي للشعر وهجه في زمن الاستبداد وزمن الانتكاسات؟
تلك المحددات جعلتني متشائماً، ومتسائلا ؟ وفي تقديري أنْ لا أحد يستطيع كتم صوت الشاعر حتى من داخل الزنازين، فالقصائد المهربة كانت أشد فتكاً تماماً مثل النطف المهربة التي تخلق كيانا، ولكن هل تشكل القصيدة كينونة موازية للفعل السياسي والثقافي والحزبي؟
أعتقد أن ذلك أصبح ضحلاً في زمن التَّسلُّط.

طوبى لمن جعل يوماً للشعر :
الكاتب والباحث خليل الصّمادي أشاد بمن خصّص يوماً للشعر العالمي قائلاً :”طوبى لمن جعل ٢١ /٣ يوماً للشعر العالمي فهو يوم مميز فهو للأم والربيع والكرامة الفلسطينية أي 4 مناسبات في يوم واحد ، فالأم والربيع والشعر والكرامة عنوان الفرح والسعادة.”
وأوضح الصمادي إلى أنه في زمن الإعلام الرقمي للأسف انحسر كل ما هو جاد وبما أن الشعر هو جاد وجيد وقائله ومستمعه من الأجواد فيبدو أنَّ طريقه للإعلام الرقمي في عالمنا العربي بحاجة إلى وقت ريثما يميز القارئ بين الغث والسمين .
ومرَّة أخرى للأسف تجد المواقع الشعرية تشكو من روادها بينما المواقع الرديئة تحقق ملايين المتابعين.
ولفت الصمادي إلى أن المطلوب من الشاعر أن يكون مدافعا عن أمته وحارساً للكلمة ومبيناً للأخطار التي تحيط بنا، فلا خير في أي مبدع إن لم يكن إبداعه منهجاً للتقدم والوعي.

الغائب الحاضر :
بدوره قال الشاعر العراقي “وليد الصَّرَّاف” : ” أيها القديم الذي وُلد منذ آدم ومازال أفتى من المواليد الجدد، أيها الغامض كَلَيلَةٍ ظلماء والواضح كصفحة ماء صافية .أيها المتنازع عليه بين عمود احدودب ولم يعد يقوى على حمل نفسه حتى , وتفعيلة مات عنها السياب ونثر واطئ السور يجوزه اللصوص كل دقيقة, أيها المغادر منذ عقود تاركا عنوانه في كتب قديمة ومجلات وجرائد صفراء، تنتشر شائعات: أنك عدت وبقيت ساعات ثم غادرت من جديد حيث تقسم العين انها أبصرتك وتنفي اليد التي لم تصافحك الخبر نفيا قاطعا.
أيها العجيب في تعامله مع الناس الذي قد يطرد ملوكا من مجلسه ويحتفي بصعاليك ويشيح عن رزم النقود والأضواء ليحتفي بمسوّدات مغمورة في ظلامها .
أيها المخبأ السري للأحلام والذكريات والانفعالات، إنَّ القوم قد اجتمعوا كي يحتفوا بك وأعدّوا الزينة وأحضروا الكعكة ودعوا الناس من كل حدب وصوب وأفردوا لك كرسيّا وسط الصف الأول وتوالت الكلمات وتعالت الهتافات ودوّى التصفيق وجاء الجميع من أجلك، إلا أنك كنت غائبا ولم تحضر حتى هذه اللحظة من كتابة هذه السطور.”.

مناسبة لتبادل الأفكار :
‏‎يرى الشاعر السوري مناف بعاج أن يوم الشعر العالمي هو مناسبة لاجتماع الشعراء والكتاب جسدياً أو إلكترونياً، ليجددوا العهد ويتبادلوا الأفكار، ويصبروا ويصابروا، ويتعاونوا على النهوض بقضايا الأمة.
مضيفاً فرب شاعر يكون قد بلغ منه اليأس مبلغاً عظيماً لما يراه من تكالب أعداء الأمة عليها وتقصير أهل الحق في الدفاع عن حقهم، فحين يلاقي إخوانه من الشعراء تدب فيه الروح من جديد، وتتدفق في عروقه دماء النشاط، حين يرى همة إخوانه من الشعراء.
وكذلك الشعراء وخاصة أصحاب المبادئ، فهم متفقون في القضايا الكبرى، ومختلفون في بعض التفاصيل.
وشدد بعاج على أنه ما قيمة الشعر إن لم يكن لسان الأمة الناطق بجراحها، وفؤادها النابض بآلامها. فحروف الشاعر جامدة ميتة فإذا انبعثت فيها دماء الشعور بالأمة دبت فيها الحياة.
وكما قال أحدهم: إن الناصح لن يكون كلامه مؤثراً في سامعيه حتى تكاد تشم رائحة الشواء المنبعثة من قلبه المحترق تألماً وإشفاقاً على منصوحيه.
وكذلك الشاعر، فإذا خرج كلامه وشعره من قلبه دخل في قلوب سامعيه، وإما إن كان كلامه خارجاً من اللسان، فلن يجاوز الآذان.

الرابط المختصر||https://palfcul.org/?p=4164

 

Font Resize