1 December, 2022

“سِرّي مِرّي” للؤي عوّاد.. سينما ما بعد الحداثة بنكهة فلسطينية “لذيذة”!

كتب يوسف الشايب:

قدّم المخرج الفلسطيني الشاب لؤي عوّاد نفسه كصاحب نهج مُغاير في السينما الفلسطينية، عبر فيلمه الروائي القصير “سرّي مرّي”، من إنتاج كلية دار الكلمة الجامعية للفنون والثقافة، لنجد أنفسنا أمام فيلم “ما بعد حداثي”، ففي قرابة الخمس دقائق، تمكّن من تهشيم كافة الصور النمطية البصرية، وتقديم سرد بصري غير تقليدي، بل يشكل انقلاباً على السائد بدرجة أولى، متكئاً على حكاية تبدو بسيطة في غلافها البرّاني، لكنها عميقة جداً في جوّانيتها.

الفيلم الفائز بجائزة طائر الشمس الفلسطيني للأفلام القصيرة في الدورة الأخيرة من مهرجان أيام فلسطين السينمائية، استطاع الانقلاب على النمط الحداثي السائد في السينما الفلسطينية، والذي هو بضاعة غربية مستوردة لا تخلو من استعلاء يتنافى مع تعريف الثقافة كرافعة لخدمة العامة، وليس العكس، فقدّم فيلماً بعيداً عن التصنيفات، منحازاً للفن ببساطته وإبهاره، ودون تعقيد وتكلف.

وحكاية “سرّي مرّي” تقوم على الإفادة من التقنيات المتطورة كمحور لصياغة فيلم يحاكي الواقع الفلسطيني الصعب تحت الاحتلال، عبر حكاية شابيّن تلحميّين يتسلل الملل إلى دواخلهما حد التملك، فلا يجدان إلّا “سيري” مصدراً لتقديم النصائح والمقترحات للقضاء، ولو جزئياً على هذا الملل، بعيداً عن المقاهي والنارجيلة التي لا تروق لأيّ منهما.

و”سيري” هي مساعدة افتراضية تعمل على تطبيق (IOS) عبر هواتف “آبل”، تقدّم حلولاً أو ما يمكن وصفه بالحلول المعرفية، كبديل عن محركات البحث، وكمستشارة ذكيّة.. إلا أن ذكاءها هذا، وكما أظهر عوّاد في فيلمه “سرّي مرّي”، لا يسعفها في فلسطين المكلومة بالاحتلال وسياساته العنصرية، فمقترح التجوال يصطدم بالحواجز العسكرية وبالمساحات المُحاصرة، أما مقترح مشاهدة فيلم في السينما فيحول دونه عدم وجود دور للعرض السينمائي في بيت لحم دونه، وحين ينجح أحدهما في التقاط بث لعرض فيلم عبر هاتفه المحمول، يكون الردّ من الموقع الإلكتروني المتخصص بأن هذا “غير متاح في بلدك”، وحتى قضاء ليلة في البرية يبدو أمراً صعباً لدى الشباب الفلسطيني، خاصة إذا ما صوّب قنّاص احتلالي، غاب عن المشهد، سلاحه الأوتوماتيكي إلى قلبك، فكان ضوء الليزر الأخضر، قبل أن تقترح “سيري” بصوتها الناعم المفعم بالأمل بأن “توجهوا إلى البحر”، فيكون جدار الفصل العنصري العائق الأكبر أمام ذكائها الصناعي، كما أمام أحلام الفلسطينيين، الذين تعطلت في بلادهم كل الأحلام البسيطة، كما كل التقنيات بفعل الاحتلال وسياساته من استيطان وجدار وحواجز واجتياحات وغيرها.

“سرّي مرّي” فيلم مُكثف، مُبهر بصرياً، ويقدّم خريطة فلسطين الحديثة، وحيوات سكانها اليافعين، وهم أغلبية سكانّها، دون تكلف وتصنع، وفي خمس دقائق فحسب، استطاع عوّاد خلالها التأكيد على إبداعه ككاتب قادر على قول الكثير دون ثرثرة، وكمخرج أبدع في ضبط إيقاع فيلمه، لجهة الاستخدام البارع لمواهب المرافقين له في التصوير والصوت، ولجهة إدارة الفنانيْن رامز لولص وأمير القاضي، ولجهة تقديم مشهدية بصرية مُلوّنة ببراعة، تقبض عليك من المشهد الأول.

الحديث عن الفيلم قد يستغرق ضعف مدّته الزمنية، فـ”سرّي مرّي” كفيلم ما بعد حداثي، يعبّر بصرياً عن أبجديات هذا التوجه غير الأكاديميّ ولا المدرسي، والذي كان التطور الإعلامي لا التحولات التاريخية أو الثورات باختلاف أنواعها ورؤاها، والحديث هنا عن التناقض والتشتت واللااستقرار، وكان مُتقناً في حالة عوّاد وفيلمه الروائي القصير الأول، في كافة التفاصيل، بما فيها المونتاج، وأظهر إبداعاً استثنائياً فيه، دون إغفال الحديث عن تفتيت الزمكان ورسم صورة لعالم متصدّع كما هو حال الفن، ما انعكس بشكل جليّ في الدقائق الخمس، وبشكل أكثر تجليّاً في تقديم “المناظر الطبيعية” (Landscape)، والتي هي ليست طبيعية في فلسطين، بصورة لا تأبه للتصنيف بقدر التوصيف، ببساطة مدروسة ودون تكلّف أو تنظير سردي بصري.

المصدر||الأيام

 

الرابط المختصر للخبر|| https://palfcul.org/?p=3077

Font Resize