5 December, 2022

سينما غسّان كنفاني.. هل علينا قول كلّ شيء؟

محمد هديب

أكثر عبارة تتردّد لدى قراءة السينما التي استندت إلى روايات غسّان كنفاني، إن هذا الفيلم أو ذاك كان أو لم يكن مخلصاً للنص الروائي، ودائماً ما يتبع ذلك استدراكٌ من فصيلة “ومع أنّ” و”رغم ذلك”.

وقرار الالتزام كلّياً أو نسبياً خيار المخرج، والحُكم عليه دائماً بالنظر إلى التجربة المقدّمة ونجاحها الفنّي. هذه ملاحظة المخرج والناقد السينمائي الأردني عدنان مدانات الذي حدّثتُه هاتفياً.

الأمر ذاته الذي وقع مع أفلام “المخدوعون” للمخرج المصري توفيق صالح عن رواية “رجال في الشمس”، و”عائد إلى حيفا” للعراقي قاسم حوَل عن رواية بذات الاسم، و”السكّين” للسوري خالد حمادة عن رواية “ما تبقّى لكم”، ولم يكن في فيلم “المتبقّي” للإيراني سيف الله داد.

الموضوع الفلسطيني

ونحن في نهاية عقد الستّينيات، مع إضافة كارثة ثانية في هزيمة حزيران/ يونيو، بعد نكبة 1948، أصبح الموضوع الفلسطيني همّاً حمله العديد من السينمائيين العرب، في حقلَي الفيلم الروائي والتسجيلي.

هذا ما يقوله مدانات، ليذهب إلى الميزة التي منحتها روايات غسّان كنفاني لنقلِها حرفياً بالقول إنها أعمال كُتبت بحبكة مثيرة، ومشغولة بأسلوب يُسهّل تحويلها إلى معادل بصري. هذا سرّ جاذبيتها للسينمائيّين.

نحن أمام عشرات الأفلام الطويلة والمتوسّطة والقصيرة التي استلهمت روايات كنفاني، دون إغفال المسرح بالطبع. لكنّ أبرز ما يُشار إليه دائماً هذه الأفلام الأربعة، اثنان منها صدرا في حياة كنفاني واثنان بعد سنوات من استشهاده.

المخدوعون

شاهد غسان كنفاني فيلماً واحداً، وهو “المخدوعون” للمخرج المصري توفيق صالح، إنتاج 1971، عن رواية “رجال في الشمس”، وفقاً للمخرج العراقي قاسم حوَل في فيديو نشره سابقاً “العربي الجديد”، وقال فيه إنه مع صالح الذي أحضر الفيلم من دمشق شاهدا الفيلم برفقة جورج حبش وغسان كنفاني في صالة سينما باستوديو بعلبك.

أمّا الثاني، “السكّين”، إنتاج 1972، فيقول حوَل، وهو رفيق كنفاني في مسيرة مجلّة “الهدف”، وإطلاق أُولى الأفكار لوحدة إنتاج سينمائي، ومسرحي أيضاً، بوصفهما مسؤولية ثورية- فلم يستطع غسّان مشاهدته في دمشق بسبب “مشاكل بين الجبهة وسورية”، ويقول إنه كلّفه بالذهاب إلى دمشق لمشاهدته ونقل انطباعاته عنه.

كلا الفيلمين، وهما مع كثير من سينما القضية الفلسطينية، ممّا اضطلعت “المؤسّسة العامة للسينما” في دمشق بإنتاجها أكثر من أي جهة عربية أُخرى.

أمّا الفيلم السوري “رجال تحت الشمس” الذي صدر سنة 1970، فليس له علاقة بنص رواية “رجال في الشمس”، كما يُذكر أحياناً على الإنترنت، بل هو ثلاثية أفلام قصيرة: “الميلاد” من إخراج محمد شاهين، و”المخاض” من إخراج نبيل المالح، و”اللقاء” من إخراج مروان المؤذن، اختصّت بفلسطين والمقاومة، وكان عنوان الرواية جاذباً بإيقاعه، فاختير ليصبح عنوان ثلاثية سينمائية.

حين يأتي المخرج توفيق صالح إلى دمشق ويتّفق مع “المؤسّسة العامة للسينما” على إصدار فيلم عن رواية “رجال في الشمس” سيختار عنوان “المخدوعون” حتى لا تتضارب الأسماء.

ضحايا الخدعة الكبرى

والفيلم يدور حول ثلاثة سينتهون إلى الموت مختبئين داخل خزّان حديد لحمل الماء محمول على سيارة ناقلة، للعبور تهريباً إلى الكويت، تحت حرارة شهر آب “اللهاب اللي بدوّب المسمار في الباب”، وهم لم يكونوا مخدوعين من المهرّب الفلسطيني الجشع “أبو الخيزران” (عبد الرحمن آل رشي).

هم ماتوا، لا لأن الجشِع نوى قتلهم، بل لأنهم جبنوا عن دقّ جدران، أو لأنهم دقّوا الجدران ولم يسمعهم أحد، وهنا فقط يصبحون ضحايا خدعة كبرى نسجها الاستعمار ومخلّفاته العربية، مثلما هم ضحايا إذعانهم وهربهم من الفعل المقاوم.

الكذب العظيم

فيلم “السكّين”، وهو مع فيلم قاسم حوَل، “عائد إلى حيفا” (1981)، يجعلنا نعيد السؤال في الالتزام الحرفي بالرواية.
فإذا شاهدت الاثنين، ستجد هناك مصداقية هائلة تجعلك تتساءل، أين هو الكذب العظيم الذي قالت العرب إنّ أعذبه أكذبه؟
فبالمقارنة مع فيلم “المخدوعون” ينقلنا سؤال الالتزام إلى الكيفية التي نلتزم بها، أي إلى الطريقة التي نصوّر فيها اقتفاءنا العمل الروائي.

وضع توفيق صالح في فيلمه خبرة ناجحة في بلده مصر، وهو الذي قدّم طوال حياته سبعة أفلام فقط، أربعة منها بين أهم مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
لذلك، حين اشتغل على فيلمه جعل الشخصيات حية طبيعية غير مشحونة بخطاب مباشر، مع العلم أن منع فيلمه زمناً طويلاً في بلاد عربية، جاء بسبب ربطه المباشر بين مأساة فلسطينيّين يبحثون عن فرصة عمل في الكويت، ومروره على أرشيف صور ظهر فيه زعماء عرب واجتماعات الجامعة العربية.

الصمت أبلغ

بيد أنّ الناس في السينما عليهم أن يتكلّموا كما يتكلّمون في الشارع والسيارة وغرفة النوم والمقهى. وفي التداعيات الروائية التي تتحوّل إلى جسد وصوت سينمائي، قد يكون الصمت فيها أبلغ من الكلام. قد ننحّي الميكروفون، لأنّ السينما الصامتة ما زالت تعلّمنا الدروس.

تعبر مشاهد فيلم “السكّين” فتشعر أنها تمارين على حفظ الأدوار وتسميعها، لا للعرض أمام الجمهور، أو أنها بروفات تنجح من أوّل مرّة وكان ينبغي أن تعاد سبعين مرّة.

يتكلّمون كما لو أنهم على خشبة مسرح. فما السينما إذن، إن لم تكن تحطيماً للغة المسرح؟

الصمت، والصمت، والصمت. لماذا ينبغي علينا أن نقول كلّ شيء؟

وحين نفكّر سينمائياً، لنا أن نتخيّل: هل يوجد رجل في العالم يسوق سيارته وبجانبه امرأته مخاطباً إياها تسع مرات باسمها “يا صفيّة”.

يمكن قبول هذا في مشهد كوميدي، أو من مشهد لمصاب بالتوحّد، أمّا في الحياة السينمائية التي تشبهنا، ففي مشوار العمر كلّه لا ينادي الأزواج بعضهم البعض بأسمائهم تسع مرّات، وليس في مشهد واحد من لقطة طويلة في سيارة، كما في فيلم “عائد إلى حيفا”.

الزمن الفيلمي

الزمن الفيلمي حين يساوي الزمن الحقيقي في مشهد طويل، ينبغي أن يقوم على مبرّر درامي، وعلى النص أن يكون البطل الأول.

في فيلم الرسوم المتحركة “وحش البحار” الصادر مؤخّراً عن “نتفليكس” تقول الطفلة: “ربما يمكن أن تكون بطلاً ومخطئاً أيضاً”.

وسأستفيد من هذا بالقول إنّ الأبطال الثوريّين يمكن أن يكونوا أبطالاً دون أن يقولوا ذلك دائماً.

أمّا وقد قال مدانات إن فيلم “عائد إلى حيفا” تعرّض للظلم وقت عرضه عام 1981، بسبب ما قيل آنذاك إنه تطبيع شخصية الصهيوني، وهو الطفل الرضيع الفلسطيني بيولوجياً، والذي فُقد في النكبة وربّته أسرة يهودية وصار ضابطاً في جيش العدو، وتنكّر لأبيه وأمّه حين واجههما بعد عشرين سنة، فموقفه هنا صحيح.

وهو يضيف أنّ رواية كنفاني حين صدرت لم تتعرّض للهجوم من القرّاء كما تعرّض الفيلم من بعض مُشاهديه. وهذا أيضاً صحيح.

غير أن “دوف” الصهيوني (خلدون الفلسطيني سابقاً) الذي أدّى دورَه الممثل السوري جمال سليمان في أول أعماله السينمائية، مُقنع أكثر من شقيقه الفدائي خالد.

كان خالد يتحدّث بطريقة باهتة، لا يبدو فيها صلباً، مثل “دوف”، بل ظهر كما لو أنه سينخرط في العمل الفدائي وهو يقول “حسبي الله ونعم الوكيل”.

قيامة حيفا

بينما مقابل ذلك، خذوا هذا المشهد الفذّ الذي وضعنا فيه قاسم حوَل، وهو خروج الفلسطينيّين من حيفا، مع الموسيقى التصويرية لزياد الرحباني، مستثمراً – كما يروي بالتفصيل لموقع “الهدف”-، ثلاثة آلاف إنسان من مخيّمَي “نهر البارد” و”البداوي”، وثلاث كاميرات واحدة كانت تصوّر عبر مروحية للجيش السوري.

لقد كان الخروج الفلسطيني قيامة سينمائية مؤثّرة، وإذا شئنا وصفها كمشاهدين، فهي نتيجة نضال إبداعي، بتكاليف إنتاجية زهيدة، جعل جموع الكومبارس أبسط وأكثر حقيقية من الممثل حين يقول: إنني أيها المشاهد أريد قول شيء تمثيلاً. صدّقني من فضلك، كما لو أنّني بعيد عن الكاميرا.

المتبقّي

في الفيلم الأخير “المتبقي” الذي صدر عام 1995، للمخرج الإيراني سيف الله داد، هناك تمويل إنتاجي ضخم، وسينما احترافية، وممثّلون سوريون اختيروا بعناية. وكانت درّة العمل سلمى المصري، الجدّة الفلسطينية التي ستقاتل بأظفارها، لاستعادة حفيدها الرضيع من العائلة اليهودية.

سيف الله داد خرج عن صفّ الأفلام التي اقتفت روايات غسّان كنفاني كما هي، وقرّر التخلّي عن صُلب رواية “عائد إلى حيفا” التي تضع الأب الفلسطيني في مواجهة مع ابنه الذي أصبح يهودياً وضابطاً في جيش الاحتلال.

وجع راس

لم يُرد المخرج وجع راس وأضراس، فاختار الحل الأيديولوجي الأسهل، بأن يجعل الرضيع الفلسطيني الذي أصبح اسمه “موشيه”، استعادة لقصّة النبي موسى، وقد تركه أهله “لكن إرادة يهوَه تدخلت لإنقاذ حياته، فلربما يكون مصيره كمصير نبيّنا”، كما جاء على لسان الدليل اليهودي (حسام عويتي).

بهذا أنهى داد وجود ضابط يهودي يتّهم أبويه الفلسطينيين بأنهما تخلّيا عنه، وأبقاه رضيعاً، وهجم بكلّ ما لديه من قوّة، لإنقاذه من براثن العدوّ قبل أن يكبر وينحرف وعيُه، في مقامرة مثيرة تنجح في الخاتمة، ولا مجال سوى أن تنجح.

وعلى من يريد معرفة خلاصة غسّان كنفاني أن يذهب إلى الرواية التي تفيد بأنّ الإنسان بالقضية لا بالولادة ورابطة الدم.
استُقبل الفيلم بترحاب في دور السينما، إذ إنّ اللعبة السينمائية السهلة والشائقة تجد طريقها في أوسع نطاق جماهيري، معزّزة بكوادر عمل جيّدة، وممثّلين أصحاب خبرة، ترافقهم موسيقى تصويرية ذات حساسية تعبيرية، لمجيد انتظامي أحد أشهر المؤلّفين الموسيقيّين في إيران.

أما التزامه أو اكتفاؤه كما ورد في تتر الفيلم بإلقاء نظرة على رواية “عائد إلى حيفا”، فلا يُنقص من قيمة الفيلم، كما أنّ الالتزام الحرفي ليس ضعفاً أو كسلاً إبداعياً. ما تراه السينما هو ما تراه، لها عين الكاميرا ولنا عيوننا.

المصدر: العربي الجديد 

رابط مختصر || https://palfcul.org/?p=4809

Font Resize