8 December, 2022

رندا شعث: نقطة انطلاقي في التصوير بدأت من شباك غرفتي بالبيت

رشا أحمد

تكتسب السيرة الذاتية للمصورة الصحافية رندا شعث أهمية خاصة؛ كون صاحبتها عذَّبتها طول حياتها أسئلة الهوية؛ فهي مصرية الأم، فلسطينية الأب، أميركية المولد، لبنانية الجدَّين. إضافة لذلك، عاشت خبرات وتجارب مهمة على المستويين؛ المهني، بوصفها مصورة مستقلة، والإنساني؛ باعتبارها شخصاً يسعى للتصالح مع نفسه.
تروي المؤلفة في سيرتها التي حملت عنوان «جبل الرمل»، وصدرت عن دار «الكرمة» بالقاهرة، كيف وُلدت في الولايات المتحدة وسط عاصفة ثلجية حيث كان يحضّر والدها السياسي الفلسطيني نبيل شعث رسالة الدكتوراه هناك، وحين بدأت أمارات الولادة، لم يستطع إزالة الثلوج عن سيارته أو التحرك في أي اتجاه بأي وسيلة مواصلات، وأخيراً اضطر إلى طلب الشرطة لتوصيل زوجته إلى المستشفى. كانت الأم فقدت ماءها كله، واضطروا إلى سحب الطفلة «رندا» بالملاقط، ما أدى إلى التواء بسيط في عمودها الفقري سبب لها أوجاعاً في الظهر بقيت معها إلى اليوم.
عاد والدها من أميركا في منتصف الستينات حاملاً معه شهادة دكتوراه في الاقتصاد، وطفلة في الثالثة والنصف من العمر، تفهم العربية ولا تتحدثها، لكن لها مكانة الحفيدة الأولى في العائلتين: المصرية والفلسطينية.
تروي المؤلفة طرفاً من ذكريات الطفولة؛ حين انتقلت الأسرة من الإسكندرية إلى القاهرة، وأقامت في حي جاردن سيتي الراقي.
وحول ملابسات الانتقال المفاجئ لبيروت، تروي المؤلفة كيف تم انتخاب والدها رئيساً لاتحاد الطلبة العرب، وقت دراسته في أميركا، وهناك انضم إلى حركة «فتح». وفي مرحلة لاحقة تعرَّف على ياسر عرفات، بعد هزيمة 1967 و«فقدانه الأمل في تحقيق وعود بيان 30 مارس (آذار)، واقتناعه بأن تحرير فلسطين قد لا يمر بالعواصم العربية أولاً». قرر الأب بعدها أن يبدأ حياة جديدة؛ فقدم استقالته من «المعهد القومي للإدارة العليا»، وترك مصر، وانضم إلى «منظمة التحرير الفلسطينية».كانت رندا في السادسة حين انتقلت العائلة للسكن في لبنان، وإن بقيت تقضي الإجازات الصيفية في الإسكندرية.
وحول بداية نشاطها السياسي، تروي المؤلفة هذه الواقعة التي حدثت لاحقاً في مصر:
«في القاهرة تُعقد لجان مناصرة للشعبين الفلسطيني واللبناني؛ فأنغمس مع مجموعات مختلفة محاوِلةً أن أكون مواطنة مفيدة، أساعد يومياً في توزيع أوراق تحث المواطنين على مقاطعة البضائع الأميركية.
مجموعتنا مكوَّنة من خمس بنات. طبخنا الغراء لأول مرة في حياتنا لنثبِّت الملصقات في حارة بمصر القديمة. أعجب لفقر المنطقة؛ دكانها الوحيد بالكاد يبيع الجبن القريش والشاي (السايب)، أعجب أكثر للذكر الوحيد الذي ظهر فجأة مع المجموعة آمراً متسلطاً مع أنه لم يشارك في التحضير. في مرة أخرى سأهتم بتنسيق مؤتمر شعبي في السيدة زينب يتضمن تعليق لافتات وترتيب كراسي وتوزيع كتيبات، والأهم شرح الأخبار للأهالي. بعد يوم طويل مرهق عرضت صديقة توصيل ما تيسر من المشاركين في سيارتها (الفولكس) الصغيرة إلى بيوتهم. ركب ستة أشخاص بأعجوبة. كنت الأولى في ترتيب الوصول؛ السيدة زينب لا تبعد كثيرا عن جاردن سيتي. حين توقفت صديقتي أمام العمارة صاح أحد الأصدقاء الراكبين مستنكراً: إيه ده ساكنة في جاردن سيتي؟ برجوازية يعني؟ ولأول مرة تسعفني سرعة البديهة: أيوه برجوازية عندي تطلعات بروليتارية!».
وعن البدايات الأولى في علاقتها بفن التصوير كهواية ثم مهنة، تذكر أن نقطة الانطلاق تمثلت في شباك غرفتها في بيت العائلة بجاردن سيتي، حيث اكتشفت الأسطح من حولها التي تقطنها عائلات بسيطة، كل سطح يحمل قصصاً وسيراً لحياة بإيقاعات مختلفة: «هنا عائلات يقف أفرادها طابوراً في الصباح أمام دورة المياه الوحيدة، وهنا سطح مقسوم إلى مساحتين؛ جهة لعائلات النوبة وأخرى للعائلات التي أتت من الدلتا. هناك سطح مزين بنباتات كثيرة صار حديقة، وسطح آخر يعود عائله ساعة المغيب يفرش ملاءة على الأرض ويتناول طعامه مع سرب حمام يعود من أرجاء المدينة». كان الحمام يؤنس وحدتها، تتخيله يزور الأميرة الأسيرة في البرج العالي!
بعدها بزمن واتتها الشجاعة على أن تحمل الكاميرا، وتذهب مستكشفة أسطح جاردن سيتي وقصص ساكنيها. وجدت في التصوير ملاذاً أقرب إلى طبيعتها للتعبير عن مشاعرها ورؤيتها. أهداها والدها «كاميرتها» الأولى وهي في الثامنة، في بداية العطلة الصيفية. حجز للأسرة الصغيرة أسبوعاً في جزيرة «رودس»، قبل قضاء باقي أشهر الصيف في الإسكندرية، وكان هو يحمل دائماً كاميراً يسجل بها رحلاتهم وأعياد ميلادهم. حين أصرَّت بعد انتهاء الثانوية على أن تدرس التصوير. أقنعها بأن تكوين خلفية ثقافية وتاريخية مهم للمصوِّر، بل أهم من تعلُّم التقنيات. كان والدها بليغاً ومقنعاً في حديثه، وكانت تجد صعوبة في مجاراته. لكنه بعد انتهاء دراستها للتاريخ والعلوم السياسية، تكفل بسفرها لتكمل دراساتها العليا في الإعلام المرئي بالولايات المتحدة. وحين عادت، وفي بداية عملها مصوِّرة، كان يسعد بأن يرافقها في رحلات التصوير… يقود السيارة ويتوقف في المكان الذي تحدده، وتنتظره. وعن مشاعرها وانفعالاتها في أول مرة تزور فيها فلسطين، تروي كيف أنها لحظة وصولها لأرض الأجداد، وتحديداً رام الله، اتصلت لتطمئن والدها في القاهرة. كان في شدة الانفعال، وبدأ في البكاء: «لازم تروحي بيتنا في يافا! صوري لي بيتنا في يافا!». لم يصدق الوالد من قبل أنها سوف تنجح في الوصول إلى هناك، لكنها لم تتردد، وخططت للأمر بعناية، وساعدها جواز السفر الأميركي الذي تحمله في تذليل كثير من الصعوبات. بدأ يصف لها بيته، والطريق إليه بالتفصيل. كان قد ترك يافا ولم يبلغ الحادية عشر!
«يا أهالي رام الله ممنوع التجول… ممنوع التجول… كل مَن يخالف القانون يُعاقَب بشدة».
على وقع هذا التحذير، استيقظت فجر أول أيامها في رام الله: «بقيت في البيت، نشرتُ الغسيل، ونظفت الغرفتين والواجهة. قضيت بقية النهار تحت الشمس. في المساء بدأت احتفالات ذكرى إقامة دولة فلسطين التي أعلنها ياسر عرفات في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988. سكان المدينة كلهم في الشرفات وفوق الأسطح، صفير وزغاريد تنطلق في الظلام، تليها سيارات الجيش تحوم في الشوارع عبثاً للبحث عن مصدر الصوت. بعد مرورهم يعود الصفير، فيطلقون الرصاص في الهواء للتخويف والتشويش.

المصدر: الشرق الأوسط

رابط مختصر||https://palfcul.org/?p=5803

Font Resize