30 November, 2022

رحيل طارق الغصين.. فنّان القضيّة الفلسطينية وهويّتها

يوسف الشايب

كان أكثر ما أثار إعجاب جيرهارد هاوبت وبات بيندر، رئيسا تحرير مجلة “نفس” الفنية الإلكترونية العالمية، من بين أعمال بينالي الشارقة في نيسان من العام 2003، السلسلة المعنونة “بورتريه ذاتي” للفنان الفلسطيني طارق الغصين، الذي رحل عن عالمنا في الثاني عشر من الشهر الجاري، في نيويورك، ففي صور فوتوغرافية معروضة داخل صناديق ضوئية، قدّم الغصين نفسه في أماكن متعددة لافّاً الكوفية على رأسه وكأنه على طريق لا نهاية له.

تعرفا عليه شخصياً عندما دخل البينالي مع مجموعة من طلابه، باعتباره أستاذ التصوير الفوتوغرافي في كلية الهندسة المعمارية والتصميم بالجامعة الأميركية في الشارقة، وفي العام التالي عادا إلى الشارقة مجدداً، بترتيب من الغصين نفسه، لتقديم محاضرة في الكلية التي يدرّس فيها، ما شكّل لهما فرصة التعرف أكثر إلى ماهية رؤيته وما تناوله ويتناوله من أمور فنية في أعماله.

وجد كل من هاوبت وبيندر أن تصوّره وتصويره لهويته الفلسطينية ثابت في أعماله، مع أنه ولد في الكويت ويحمل جنسيتها، ولم يكن، حينذاك، قد زار فلسطين قط، لكن في بعض أعماله دلالات وجودية أيضاً.

قال طارق الغصين: إن سلسلته المعنونة “روابي”، التي انتهى من تنفيذها في العام 2003، أكثر حميمية في الحجم من سلسلة أعماله “بورتريه ذاتي” الكبيرة والمعروضة في صناديق ضوئية. بالطبع إن المرء، وفق هاوبت وبيندر، يذهب فوراً إلى حيث التفكير بمصير الفلسطينيين عندما يسمع أن “روابي” بأنواعها المختلفة في الصور تمثل “الأرض” التي يبحث عنها المرء لكنها مفقودة. مع ذلك، يضيف طارق: إنه يتناول شيئاً بمفهوم أوسع، ويعني أثر “الحواجز، والأرض، والحنين” على الوعي بالهوية.

في هذا السياق، تحدثا معه عن الجدار الذي نصبته إسرائيل، وتسويقها إياه على أنه “سور دفاعي”، وهذا يشير ضمناً إلى أن هناك حاجة للحماية من القاطنين على الجانب الآخر.

ما يهم طارق الغصين هو التلاعب بوجهات النظر بوساطة اللغويات والمصطلحات، فهو يبين باستمرار من خلال فنه كم تبدو الأشكال التي يصوّرُ بها الفلسطينيون، والعرب، والعالم الإسلامي، متحيزة ومقولبة. إنه يدركها جيداً لأنه عاش لفترة ممتدة في “الغرب”. إحباطه في هذه المسألة هو أحد الأسباب التي جعلته يعود إلى الشرق الأوسط عامة، وفلسطين على وجه الخصوص في أعماله الفنيّة.

على أي حال، يؤكد طارق على أنه قابل العديد من الناس في الولايات الأميركية المتحدة وأوروبا ممّن لا يفكرون بتلك الطريقة، ويرى أن أخذ دور الوسيط بين الثقافات أحد مهامه كمعلم.

إن تجربته الشخصية في الغرب، بالتحديد، مدمجة بتراثه العربي، تزوده بالحجج الفريدة في المناقشات مع الطلاب.

إن عمله “غرفة حرب” هو مشروع مشترك مع الفنان الأميركي كريس كاينكي، ويُدرس أيضاً في كلية الهندسة المعمارية والتصميم بالشارقة.

قام طارق الغصين في حرب العراق الأولى في العام 1991 بتصوير مشاهد من برامج الأخبار، ثم أعاد صياغتها فنيّاً. كرر العملية، هذه المرة باستخدام كاميرا ديجيتال، منذ آذار 2003، عندما بدأت حرب العراق الثانية. أراد أن يبين كيف تختلف “بي بي سي”، و”سي إن إن”، و”الجزيرة”، و”دبي”، ووكالات أنباء أخرى، في التبليغ عن الحدث نفسه، وبهذا ينقلون لمشاهديهم فهماً مختلفاً عن الواقع.

وبينما ينقر طارق قنوات التلفزيون ذهاباً وإياباً، لاحظ المتوازيات بين صور الأخبار “الحقيقية” وقصص الأفلام والصور المتحركة، لهذا السبب شمل الأخيرة في سلسلة لقطاته المتلاحقة.

أخبر طارق كريس كاينكي بذلك فلاحظا أنهما قاما بالشيء نفسه تقريباً بشكل مستقل، ومن هذا ولدت الفكرة بمراجعة أكثر من 1500 صورة بغرض صنع عمل إنشائي من المجموعة المختارة. يتضمن مفهوم العمل الإنشائي فكرة أن كل الصور التي نراها يومياً والتي تساهم جوهرياً في تكوين أحكامنا، تم إخضاعها لعدد من عمليات الترشيح والتلاعب.

رحل طارق الغصين، وهو من مواليد العام 1962، واشتهر، حسب عديد النقاد، بأعماله الفوتوغرافية التي تبلورت في البحث عن الهوية، وعلاقة الكائن بالمكان سواء بأبعاده الواقعية أو الافتراضية.

وبرزت للغصين أعمال فنية عدّة عرضت في شتى المعارض والمهرجانات العالمية كبينالي البندقية، وبينالي الشارقة الدولي وبينالي سنغافورة، بالإضافة إلى تواجد أعماله كمجموعات دائمة في متحف فكتوريا وألبرت في لندن، وفي المتحف الملكي للتصوير في كوبنهاغن، والمتحف العربي للفن الحديث في الدوحة، ودارة الفنون في عمّان، ومؤسسة الشارقة للفنون، وغيرها.

أما والده طلعت الغصين فكان صحافياً ومحرراً ودبلوماسياً، بحيث شغل منصب أول سفير لدولة الكويت في واشنطن، في ستينيات القرن الماضي.

وتنقلت العائلة كثيراً، خلال طفولة طارق، ما بين الكويت والولايات المتحدة الأميركية والمغرب واليابان، في حين حصل طارق على درجة البكالوريوس في التصوير من جامعة نيويورك، وعلى درجة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة “نيومكسيكو”، كما شغل العديد من المناصب خلال حياته المهنية في مجال التصوير والتدريس.

وتفاعل العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع نبأ وفاته “المفجع” عن عمر ستين عاماً، وقد نعته وزارة الثقافة ومؤسسة عبد المحسن القطان، هو الذي طالما صوّر معاناة الشعب الفلسطيني في أعماله ذات الطابع العالمي، وطوّع فنّه لدعم قضيته.

وكان الغصين شارك في المعرض الاستعادي “أمم متعاقدة من الباطن”، الذي نظمه البرنامج العام في مؤسسة عبد المحسن القطان، تزامناً مع افتتاح مبنى المؤسسة الجديد برام الله في 28 حزيران من العام 2018، واستمر ستة أشهر، بعمل ضمن سلسلة الأرشيف الضخمة التي أنتجها تحت عنوان “ملفات الكويت” وشارك فيها، أيضاً، في معارض عربية وعالمية.

ونظم الغصين معارض منفردة عدة بما في ذلك: “أوديسيوس” (2021)، وقبله “الصوابر” (2017)، و”ملفات كويتية” (2017)، وغيرها الكثير.

المصدر: جريدة الأيام 

رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=4660

Font Resize