4 February, 2023

ترجمة الأعمال العالمية للعامية المصرية.. جدل جديد حول الهوية والتأثير

عبد الله حامد

تجددت معركة الفصحى والعامية مؤخراً في مصر عقب إعلان دار نشر طرح ترجمة بـ “المصرية” لرواية الأميركي إرنست همنغواي “العجوز والبحر” -خلال معرض القاهرة للكتاب المزمع أن يبدأ يوم 26 يناير/كانون الثاني الجاري- وهي الرواية المترجمة للفصحى عدة مرات من قبل.

وانتقد متابعون النص المطروح مترجما عن الرواية العالمية، باعتبار أن مفرداته “رثة ورديئة” ففي النموذج المنشور على صفحة المترجم جاء فيه “وبعدين رقد ع السرير، شد اللحاف فوق كتافه، وبعدين غطا ضهره ورجليه ونام على وشه”.

وقال منتقدو الترجمة إنها ليست “للهجة المصرية” كما ذكر المترجم، ولكنها ترجمة للهجة “القاهرية” وهي لهجة سكان العاصمة وعدد من المدن حولها، في حين تختلف بشدة عنلهجات الصعيد والدلتا التي تتباين بدورها فيما بينها.

وعلمت الجزيرة نت -من مصادر بدور النشر- أن معرض القاهرة الدولي للكتاب سيشهد طرح أعمال مترجمة للعامية، منها نفس الرواية “العجوز والبحر” ولكن لمترجم آخر، هو هكتور فهمي.

وتعالت أصوات الجدل حول تلك الظاهرة، عقب اختيار رواية “المولودة” المكتوبة بالعامية، للفوز بجائزة ساويرس عام 2018، وهو ما مثل دعما للأعمال المكتوبة بالعامية.

وشهدت دورات المعرض خلال السنوات القليلة الماضية جدلا بسبب تساعد هذه الظاهرة، وقام المترجم فهمي بترجمة رواية “الغريب” للمؤلف الفرنسي ألبير كامو، و”الأمير الصغير” إلى العامية، ثم جرت ترجمة “رسائل بولس الرسول” إلى العامية، وقام محمود حسنين أيضاً بترجمة الرواية الألمانية “لبن النمرة”.

وتعد رواية “قنطرة الذي كفر” وهي الوحيدة لكاتبها مصطفى مشرفة من أولى الأعمال المعروفة المكتوبة بالعامية، وتتناول أحداث ثورة 1919 في مصر.

قطيعة

ورأى الناقد أحمد كريم بلال أن نزوع لغة الرواية إلى استخدام العامية “سلاح ذو حدين” فمن ناحية هي وسيلة جيدة لبلورة الأبعاد بشكل واقعي، ومن ناحية أخرى تمثل إلى حد ما “فجوة أسلوبية” وهو أمر ليس بـ “الهين”.

وأضاف كريم في حديثه للجزيرة نت “الإغراق في الإقليمية يحكم استغلاق الرواية على القارئ العربي، وقد عانيت كثيرا في قراءة بعض أعمال الطيب صالح التي كتب فيها بالعامية السودانية مستخدما ألفاظا مجهولة لنا نحن المصريين، على ما بيننا وبين الأشقاء السودانيين من ألفة وتقارب”.

ومضى: بل أقول إنني وأنا واحد من أبناء الصعيد، استوقفتني عبارة قرأتها في رواية “الجبل” لفتحي غانم يتحدث فيها البطل عن “البر الشرجي” واستخدم فيها حروفا بنطق قاهري لكلمة “الشرقي” وأخرى بعدها بسطرين يقول فيها أن “الفجر مش عيب” ويقصد أن “الفقر ليس عيبا” مستخدما نفس الآلية التي يقرأ بها القاهري الكلمات، مما يحدث ارتباكا لا ريب فيه للقارئ غير القاهري، فمالنا بالعربي غير المصري؟”.

وأكد المتحدث أن للعربية خصوصية مختلفة تماما تجعل القارئ الذي اعتاد الفصحى يجد القراءة بالعامية صعبة جدا، موضحاً أن لذلك علاقة أبعادا دينية وتراثية.

ولفت إلى أن الدعوة إلى استخدام العامية في مصر ليست وليدة المرحلة الراهنة، وإنما هي حلقة أخيرة مسبوقة بتاريخ طويل بدأه المستشرقون وتلاميذهم والمتعصبون لهم، وهو ما ذكرته الكاتبة نفوسة زكريا سعيد مؤلفة كتاب “تاريخ الدعوة إلى العامية وأثرها في مصر” الذي تتبعت فيه تلك الدعاوى ومراميها وأخطارها بشكل واف.

واعتبر بلال أن المستهدف، من وراء مثل تلك الدعوات، هو القطيعة التامة مع التراث العربي الإسلامي، وهي لا تجد صدى لها لا في مصر وحسب ولكن أيضاً في بلدان عربية أخرى.

وأعرب الناقد الأدبي عن اعتقاده بأن هذه الدعاوى تحمل بين ثناياها دعائم فشلها، لأنها من الناحية العملية غير فعالة في التواصل والتداول، فضلا عن المخاوف المتعلقة بالهوية والقطيعة مع التراث، تلك التي تجعل الناس تنظر إليها بعين الارتياب.

معركة قديمة

أما الناشر محمد البعلي فيكشف في حديثه للجزيرة نت عن مقاربة مختلفة للتعاطي مع هذا الأمر، مؤكداً أنه لا يصح التعامل معه باعتباره ظاهرة جديدة، بل هو موجود على الساحة الأدبية من الأربعينيات وربما قبل ذلك، وهو محل جدال وإنتاج كثيف، علاوة على أن التجربة أوسع من حصرها في ترجمة رواية.

وضرب البعلي مثالا على ذلك بالكاتب الراحل لويس عوض الذي تناول المسألة بل وجسدها نموذجا حياً في أحد أعماله بالعامية وهو كتاب “مذكرات طالب بعثة”.

وعد المتحدث أن بعض الأعمال المصنفة باعتبارها إبداعاً شعرياً بالعامية بلغ ذروته في الستينيات، ومنها “جوابات حراجي القط” التي ألفها الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وهي أقرب لرواية شعرية.

وأكد البعلي -وهو مدير دار صفصافة للنشر التي نشرت أعمالا مترجمة للعامية عن أعمال الأديب الإنجليزي شكسبير- أن ما يجعل المسألة محل خلاف كون العامية ليست عامية واحدة داخل مصر، فهناك عامية الصعيد والقاهرة والإسكندرية والدلتا، مؤكداً أن استخدام العامية يحدد السياق الجغرافي لتأويل النص بسياق أصغر من المجال اللغوي العربي، الذي يقرأه متحدثو العربية من المحيط للخليج، ومن الصومال جنوبا إلى الجاليات العربية بأوروبا شمالاً.

وأكد أن ثمة أسبابا وجيهة للمسألة لدى أنصار العامية، كما أن لها أيضاً معوقات عند استقبال النص لدى المتلقي، ورغم ذلك، فهو -كونه ناشراً- مع إتاحة التجارب، لأن الإبداع هو محاولات تجريبية في كل الاتجاهات، ومحاولات إحداث أثر هنا أو هناك، وحينما يكون هناك عمل مكتوب بشكل جيد فإنه يترك أثراً، مهما كان الثوب المقدم من خلاله، وعندما يكون العمل غير مميز فإنه يكون بلا أثر.

وتابع البعلي “يمكن أن ينجح العمل أو يفشل لدى القراء سواء باعتبارها تجربة أمينة أو غير أمينة، وهذا هو المحك الحقيقي، واللهجة المصرية -أو اللغة المصرية كما يفضل أن يسميها أنصار الترجمة للعامية- هي وسيط إبداعي ناجح كما في السينما والدراما. أما مستوى العمل نفسه، فليس هو الوسيلة الوحيدة للحكم على التجربة”.

ونفى المترجم فهمي، صاحب ترجمة “الغريب” والعجوز والبحر -هذا العام- للعامية أيضاً، أن الترجمة ليست إلى العامية، لأنه يرى أن هناك اختلافاً بين “اللغة المصرية” والعربية.

وأوضح أن كلمة عامية المتداولة ليست دقيقة لأن كل لغات العالم بها مستويات، المستوى الفصيح الذي يُستخدم بشكل رسمي، والعامي الذي نتداوله فيما بيننا.

وأكد أنه استخدم لغة ليست بعامية، ولكنها المصرية الفصحى -على حد وصفه- مضيفاً: لغتنا الأم هي المصرية وليست العربية، والعمل الأدبي به روح الكاتب، والترجمة تُعتبر عملا جديدا يُريد المترجم أن يُعطي للقارئ ما بالرواية، ولكن باللغة الأم.

وأشار فهمي -في تصريحات صحفية- إلى أن هدفه من الترجمة للعامية أن ينشر “اللغة المصرية” أكثر.

انطباعات القراء

ويشعر بدر النوبي، وهو مرشد سياحي من محافظة الأقصر جنوبا، ومولع بقراءة الروايات، أنه تعرض لخديعة حينما قرأ إحدى تلك الروايات المترجمة للعامية، حيث قام المترجم بالإيحاء بأنها لغة مصرية، بينما هي لهجة قاهرية، فلماذا لم يترجمها للهجة الصعيدية مثلا، وبلاده (الأقصر) كانت عاصمة لمصر طوال التاريخ القديم؟ يتساءل النوبي.

وأشار -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن الترجمة التي طالعها كانت عبارة عن استخدام مفردات مصرية دارجة، مكتوبة بأحرف عربية، مما أفقدها رصانة ومتانة الفصحى والسرد بديع الصنع لغويا، وهما عنصران يجعلان كثيراً من الحكايات العادية مميزة وممتعة.

واعتبر مصطفى درويش، وهو موظف وقارئ متابع للأدب، أن ما يجري من ترجمات الروايات العالمية للعامية لا يمكن وصفه إلا بـ “الهراء” لأنه انحط باللغة و”تعمد تخريبها” معرباً عن أسفه لما طالعه من “إسفاف” في بعض هذه الترجمات.

وأوضح -في حديثه للجزيرة نت- أن المسألة لا تعدو كونها “انقياداً” لدعاوى بعض المستشرقين لإضعاف العربية بالدعوة إلى الكتابة باللهجات الشفوية.

أما لؤي كمال، وهو طالب بجامعة حلوان جنوب القاهرة، فلا يرى بأسا في ترجمة الأعمال الإبداعية العالمية للعامية، طالما أنها مترجمة أصلا للفصحى، مطالباً في حديثه للجزيرة نت بأن يضع الناشرون الترجمتين جنباً إلى جنب في نسخة واحدة، بحيث يقرأ كل قارئ حسب ذائقته اللغوية، وأشار إلى أنه شخصياً يجد العامية أقرب في إيصال المعنى دون تكلف يعاني منه الأدباء والكتاب عند الكتابة بالفصحى.

المصدر : الجزيرة
رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=6258
Font Resize