1 February, 2023

«الهوتا»: مونودراما التعبير عن معضلة السقوط الأخلاقي

خزامى رشيد

بالتعاون مع ريكس تياتر المسرح الوطني السويدي، وفي جولة عروض شملت العديد من المدن والمناطق السويدية تم تقديم مونودراما «الهوتا» تأليف وتمثيل المسرحي الفلسطيني عامر حليحل وإخراج أمير نزار الزعبي وإضاءة معاذ الجعبة.
جولة العروض هذه تعد الثانية للفريق الفني بعد عامين من سلسلة عروض سابقة قدم فيها حليحل مونودراما «طه» التي جسدت سيرة حياة الشاعر محمد علي طه وحكاية قريته صفورية الفلسطينية المدمرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حتى تاريخ وفاته2011.

مونودراما «الهوتا»

قبل مشاهدة العرض كان هناك تساؤل من قبل الجمهور العربي والسويدي حول معنى الهوتا، فالعنوان غير مألوف لكلا الجمهورين، لكن ما إن توالى القص السردي الممزوج بالفعل المسرحي الحي، حتى وجدنا أنفسنا أمام لعبة مسرحية ومواجهة مع معنى ومضامين «الهوتا». فالهوتا في معناها المعجمي هي الأرض المنخفضة أو طريق منحدرة إلى الماء، أما في العرض فذكرت الهوتا ضمن سياقين مختلفين، ففي بداية العرض ورد ذكر الهوتا بمعنى الحفرة العميقة، التي يسودها الغموض والأساطير، فهي مسكن الغولة يملأ جوفها ماء وتنطلق منه أسراب حمام. أما في نهاية العمل فورد اسم الهوتا كدلالة تعبيرية مجازية عن حفرة الهوتا التي تم اكتشافها في شمال مدينة الرقة السورية، التي استخدمها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» كمقبرة لدفن ضحاياه الأموات والأحياء، بالإضافة إلى العديد من الحفر الأخرى التي عرفت إبان الحرب السورية كحفرة التضامن، وغيرها من الحفر التي استخدمها النظام لدفن ضحاياه.
قادنا العرض عميقا في اتجاه سردية استثنائية ورحلة درامية متصاعدة متسارعة لمدة ساعة. فقد قام حليحل بأداء مفعم بالحيوية ملأ خشبة المسرح وسد فراغها، وقاد مكونات المونولوج الذاتي بقدرات تمثيلية وتعبيرية شديدة الحساسية، عبّرت عن عوالم الشخصية الفردية وما يحيط بها من شخصيات وعوالم وأحداث غلفت محتوى العرض. بدأ العرض بجرعة كبيرة من الكوميديا اللطيفة، والمواقف الطريفة أصابتنا بنوبات من الضحك المتواصل، فتفاعلنا مع شخصية باسل الذي قام حليحل بلعب دوره بواقعية شديدة. تعرفنا على باسل الشخصية البسيطة المتواضعة الذي حولته الأحداث والظروف إلى بطل استثنائي وبطل مهزوم في آن واحد. فتقاطع مع سرد حكاية باسل سرد بصوت حليحل لمجموعة من الأحداث السياسية التي عصفت بعالمنا الشرق الأوسطي والعالم ككل، للتعبير عن مدى تأثير البعد السياسي والاجتماعي على حياة الشخصية المجسدة أمامنا على خشبة المسرح الخالية من قطع الديكور والأغراض باستثناء تلك الستارة الصفراء المائلة للانحدار من أعلى خشبة المسرح، التي ستكون لها دلالاتها الخاصة في سياق العرض، مع تنويعات الإضاءة المميزة والموسيقى اللتين شكلتا مع الأداء الدرامي للممثل تكوينا مسرحيا بسيطا وذكيا في التعبير عن المعضلة الأخلاقية التي ستواجه باسل وتقوده إلى حيث لا يريد ولا يطمح. الأمر الذي وضعنا كمتلقين أمام مواجهة حادة مع عمق السؤال الفلسفي الوجودي هل نحن من يختار الشر، أم أن الشر هو من يجد طريقه إلينا؟ وهل يمكن أن ينجو الفرد بمعزل عن ظروفه السياسية والمجتمعية المحيطة به؟

في بداية مونودراما «الهوتا» نتعرف على باسل طالب المدرسة، ابن الخمسة عشر عاما الذي عانى يتم الأب في صغره، حيث تعرض والده للاعتقال والتعذيب وعاد جثة هامدة بسبب مناقشات معارضين كانوا يترددون على دكانه، الأمر الذي ولّد لدى باسل خوفا غائرا خفيا من الاستبداد السياسي والقمع الأمني، وشعورا خفيا في المواربة تبدى ذلك بعدم قدرته على البوح والتعبير عن حبه إلا من خلال إلقاء القصائد وحفظها وذكر اسم محبوبته ليلي عاليا في محاولة حثيثة لجذبها.

إلا أن جميع محاولاته تبوء بالفشل، الأمر الذي يدفعه للعمل بنصيحة صديقه زكي فنتش (الذي يفهم بالنسوان على حد قوله) فيندفع باسل للقيام بمغامرة النزول في حفرة الهوتا الموجودة في البلدة متحديا الخوف والأقاويل التي يرويها أهل البلدة ليثبت بطولته ورجولته أمام حبيبته وزملائه. ينجح باسل في النزول إلى الهوتا، ورغم صيحات أصدقائه بالرجوع، إلا أنه يستمر في النزول في رحلة أشبه بالجنون. ويكتشف أنها حفرة طبيعية عميقة في قعرها ماء عذب تسكنها أسراب حمام، وبفعل النزول يكشف لنا باسل عن ذلك الوهم المجتمعي، الذي يستند إلى روايات وأقاويل لا يتم التحقق منها. يستفيض باسل بوصف جمالية «الهوتا» كدلالة على عمق ونقاء وصفاء روحه التي لا تطمح إلا للحب وإثبات الوجود. يصبح باسل بطلا في نظر الجميع ويتواطأ مع ذلك التمجيد وتلك البطولة الوهمية، إلا أن تلك البطولة سرعان ما تتبدد، لأن ثمة فتيانا آخرين تجرأوا أيضا على النزول في الهوتا .
تشبع مونودراما الهوتا مخيلتنا بحكاية باسل الشخصية وذكريات مراهقته، وما يدور حوله من طرافة مرحة أشبعتنا ضحكا، فنتعرف على شخصيات عديدة نحسها ونستشعرها أمامنا، نستشعر الطرقات، الأحياء، الأمن الخوف، الرصاص، نستشعر اللحظات الكوميدية ونعيشها بكل ما فيها من بساطة وصدق، لتنقلب في ما بعد الضحكات العالية إلى تراجيديا وحزن مكتوم حبس أنفاسنا حتى نهاية العرض.

في منتصف مونودراما العرض، نبدأ بالتعرف على حكاية باسل الرجل الناضج الذي يلتقي مجددا بليلى ويتزوجها، فيعمل مع والدها مساعدا في جباية الضرائب، إلا أن والد زوجته الموالي للدولة ينقلب عليه بسبب تورط أخيه طلال في المظاهرات المؤيدة للمعارضة فيتهمه بالخيانة لانتمائه لعائلة تؤمن بالحرية وإسقاط النظام، فأخوه طلال يشارك في المظاهرات علانية، وأبوه اعتقل وقتل في سن مبكرة، وأعيد جثة هامدة. الأمر الذي دفع بوالد زوجته لاتهام باسل بأنه يملك تمردا جينيا موروثا ضد النظام، ولكي يثبت انتماءه للدولة عليه أن يعمل على تسليم أخيه للحكومة، إلا أن باسل المتأرجح بين التمرد والخنوع يرفض ذلك. يختفي باسل أشهرا ويعود مجددا لاستعادة زوجته، لكنه يهرب مجددا خوفا من الوقوع في قبضة الاعتقال. ليبدأ في ما بعد رحلة البحث عن أخيه طلال المفقود، وفي ظل بلد يسوده العنف والصراع السياسي، يجد باسل نفسه في قبضة فصيل سياسي يقاتل ببطولة عمياء، لينتقل لفصيل آخر وآخر متأرجحا بين تنظيمات عدة تحت مسميات وأيديولوجيات مختلفة تنادي وتدعي الدفاع عن الوطن والإنسان والحرية، لكنها في الواقع تسعى لتدمير الوطن والإنسان. يتسلل باسل الى منزله فيجده مهجورا يلتقي بصديق طفولته زكي فنتش فيسأله عن مصير والدته، وقبل أن يجد الجواب يظهر قائد التنظيم ويأمره بقتل صديقه، لأنه من أعداء الوطن، يرفض باسل ذلك الفعل لكن وفي لحظة ضعف إنساني وذروة الخوف المطلق يطلق باسل النار على رأس صديقه لتسقط أول قطرة دماء سوداء وتنسدل على الستارة المتدلية في عمق المسرح للتعبير عن ذروة القسوة وتفاقم المعضلة الأخلاقية التي سيواجهها باسل في ما بعد.

يهرب باسل مجددا وتقوده الصدف مرة أخرى إلى تنظيم جديد. ينتهي عند أمير الجماعة، الذي يرى فيه باسل الأمل والخلاص الروحي، لكن هذا الخلاص وهذه الرؤية الساذجة والبطولة الوهمية التي مارسها باسل في معاركه المتكررة أفقدته البوصلة، وأصبح بطلا مهزوما وشاهدا حيا على حجم البشاعة والجريمة التي يمارسها التنظيم، الذي يقوم بإلقاء جثث الضحايا في الهوتا تلك الحفرة العميقة التي تتحول إلى حفرة ومقبرة جماعية. تتجسد ذروة القسوة المسرحية في رؤية باسل لأخيه طلال بين تلك الجثث الملقاة فينزل في الهوتا للبحث عن أخيه الذي لا يعرف إن كان حيا أو ميتا، إلا أن الهوتا التي عرفها ونزلها في فترة المراهقة ليست الهوتا نفسها ما بعد الحرب.. فالهوتا مخيفة رائحتها كريهة تتكوم فيها أجساد القتلى والضحايا، وقد أصبحت خالية تماما من أسراب الحمام، حتى إن الغولة ذات الجناحين الكبيرين ارتعدت وذهلت مما رأت من أهوال. وبهذه الصورة والمخيلة القاتمة التي لامسنا تفاصيلها يحيلنا حليحل إلى رمزية فاقعة في قسوتها ودلالتها للتعبير عن قسوة الحرب، حيث نشهد سقوط المزيد من الدماء السوداء من أعلى الستارة المائلة في تعبير مجازي عن وصمة العار التي تشهد على انحدار سقوطنا الأخلاقي، حيث دماء أبناء الوطن الواحد تسفك بلا تردد. يبحث باسل عن هويته الضائعة فلا يجدها، فما هو إلا ذلك البطل المهزوم الذي فقد كل شيء حبيبته، أصدقاءه أمه وأخاه، حتى إن ذاكرته التي أراد أن يحفظها في روحه وفي صندوق عقله شوهتها الحرب، فالوطن لم يعد كما كان ولا الأهل ولا حتى الأصدقاء لن يكونوا كسابق عهدهم. وحده جنون الحرب من يقودنا نحو الهاوية.
انتهى العرض مع تصفيق شديد للجمهور الذي أحس أن المونودراما المجسدة على الخشبة نجحت بالتعبير بكل صدق وأمانة عن أزمات الشخصية وتقلباتها، فتفاعلنا معها بكل تفاصيلها تاركة في أعماقنا حزنا خفيا مكتوما أعاد لمخيلتنا صورا موجعة الحرب وآلامها وأوطان يمزقها اقتتال عبثي.

رابط مختصر||https://palfcul.org/?p=6182

Font Resize