30 November, 2022

القصيدة الفلسطينية… المنجز والمأمول

رامي أبو شهاب

في ظل شاعر كبير كمحمود درويش فإن القصيدة الفلسطينية بدت مرتهنة لظل شاعرها الذي استحوذ على المشهد الشعري الفلسطيني، ولاسيما في المراحل الأخيرة، على الرغم من أن هذه القصيدة سعت لاختلاق صيغ شعرية جديدة، ومن هنا، فقد ظهرت بعض الأصوات التي تميزت بأسلوبيتها ورؤيتها، وفي مراحل متقدمة بدت القصيدة أكثر تأملية، ووعياً بالذات الجمالية، لكن مع شيء من التحرر من إرث الجماهيرية المفرط.
ومع رحيل شاعر كبير فقد الشعر الفلسطيني خاصة، والشعر العربي عامة طابعه الجماهيري على مستوى التلقي، وإذ كان أدونيس يرى أن هذا الطابع الجماهيري يعد أحد أبرز مصادر قوة هذا الشعر، فإنه يعدّ أيضاً أحد مظاهر ضعفه في آن واحد، ولعل هذا يأتي متبوعاً برؤية أو استفسار قوامه مدى تحقق استمرارية القصيدة، بوصفها وعياً ذاتياً لينطلق من رؤية تتجاوز الإسقاط الجماهيري، غير أنّ قصيدة محمود درويش في المراحل المتأخرة امتلكت وعيها الجمالي، مع محاولة بناء نسق متعالٍ يتجاوز ما يمكن أن ننعته باستهلاكية التلقي، فضلاً عن وعي حداثي من خلال التنويع في أنماط القصيدة وتشكيلاتها ورؤاها، كما تطوير النموذج التقني في التشييد التركيبي، ومع بدء العقد الثاني من الألفية الثالثة بدت القصيدة العربية عامة أسيرة المزاج الشعري المضطرب، ولاسيما من ناحية التحول عن الشعر إلى الرواية، وكأن ثمة عزوفاً جمعيّاً عن الاتصال بالشعر من قبل الجماهير، أو تتبع أحواله، وفي هذا السياق تبدو القصيدة العربية عامة، والفلسطينية خاصة في سياق انحدار تبعاً لعوامل خارجية، أو بعبارة أخرى بداعي تراجع جاذبية الشعر على مستوى التلقي… على الرغم من وجود أسماء شعرية مؤثرة، وذات حضور، إذ ترجمت الكثير من المجموعات الشعرية لشعراء منهم إبراهيم نصر الله، وغسان زقطان، ونجوان درويش، وفادي جودة، وتميم البرغوثي، وغيرهم.
لقد حضر المنفى في الشعر الفلسطيني منذ النكبة، لكنه كان أسير منظور يمتص تمظهره، وقضاياه، وبالتحديد عبر مواجهة الحدث في عملية تشكله، فقد كان يتسم هذا الموقف لزمن طويل بنوع من الحدية، والإنكار، لكن مع تعمّق المنفى، وتمكنه كما امتداده في تجارب الأجيال الجديدة، فإن هذا يستدعي مقاربة جديدة، وبناء على هذا، فإن التمظهر الشعري يجب أن يحتمل مجابهة شعرية جديدة تتسم بالتأمل، كما القدرة على إدراك تأثيره انطلاقاً من تجاذبات رحلة (عوليس الفلسطيني) ذلك أن المنفى يبدو قدراً قد استطال، بل بات جزءاً من بنيوية الذاكرة، بالتجاور مع التنازع من مبدأ التكيف في أوطان الشتات من جهة، ومن جهة أخرى بين نفي التعلق بالطارئ من المكان؛ ما أنتج ذلك التفسخ بين الأنا، وتطلعها لحلم العودة، ما يحملنا إلى القول إن هذه الرؤى قد تحفّز اللغة، في حين يُستعاد جدل الذاتي مع تقدم العوالم، حيث تختلف تجربة الشعراء الجدد عن تجارب أسلافهم.

ولعل إحسان عباس كان من أوائل الذين تنبهوا إلى هذه الملحوظة مبكراً، فالقضية الفلسطينية تدفع إلى تشكيل الشعر، لا من منطلق نموذج التعلق العاطفي حسب، إنما من منطلق المواقف والأساليب والوعي الفني، ففي كتابه «اتجاهات الشعر العربي المعاصر» نقرأ كيف أن جزءاً كبيراً من هذا الشعر ارتبط بالمنظور الماركسي والثوري، لكن هذه الصيغ بدأت الآن تصبح أقل جاذبية، ومعظمها انحلت مقولاته، وعلى الرغم من أنّ هذا يبدو متصلا، أو مبرراً حينها بسياق تلك المرحلة، غير أن الصيغة ستبقى مرتبطة بهذا العامل بوضوح، فعلى الرغم من تراجع الخطاب الثوري أو التحرري، الذي واكب الشّعر الفلسطيني بعد أوسلو، غير أننا معنيون بتوليد نماذج جديدة بغية خلق وعي جديد بهذه القضية، وهكذا نجد أن الآلية عينها، بيد أن السياقات تبدو مغايرة، ومن ذلك كما شاهدنا في الأحداث الأخيرة، ونعني الحرب الأخيرة على غزة، إذ وجدنا تضامناً من شعوب العالم، وبناء عليه، فإن التضامن لم يأتِ من خلال روافد النموذج اليساري أو الأممي، الذي كان في الستينيات والسبعينيات – مع عدم إنكار وجوده بالكلية – إنما هو ينطلق من قضايا ورؤى جديدة ينبغي على الخطاب الشعري الفلسطيني التقاط حيثياتها، وأسسها، وتكوين خطاب متجدد، مع الإشارة إلى أن ثمة بروزاً لتيارات التضامن من منطلق ديني، لكن في المقابل فثمة تضامن إنساني، إذ باتت الشعوب أكثر وعياً بمبادئ إنسانية كلية تذهب لتجاوز التمايز العرقي والعنصرية البغيضة، فهذه الحركات أمست أكثر وعياً بحقوق الشعوب المضطهدة من منطلق الوعي بمسألة التعدد العرقي، وقيم الاختلاف، علاوة على تمكين الجوانب الإنسانية عبر تفعيل مقولات الضمير الإنساني، كما المسألة الأخلاقية، والأهم مقاومة آخر نظام عنصري على هذه الأرض، وهذا ما يمكن تبريره على سبيل المثال بتضامن حركة «حياة السود مهمة» مع الفلسطينيين، ولعل هذا ما تبرره الصحافة التي رأت أن وعي هذه الحركة كان له تأثير في مواقف بعض المواطنين البيض في الولايات المتحدة والغرب عامة، حيث أدركوا أخيراً بأن ما تقوم به إسرائيل لا يختلف كثيراً عن الممارسات العنصرية التي يتوافق الجميع على رفضها، وهذا يأتي بالتجاور مع أثر الاتجاهات الليبرالية التقدمية، لكن الأهم مواقع التواصل الاجتماعي التي ظهرت آثارها في الحرب الأخيرة، ونعني مواجهة أيار/مايو 2021 التي حملت أكثر من رسالة، لكن أهمها تأجيج معنى المقاومة، واستعادتها، وهذه الجزئية لطالما شكلت أحد أهم ملامح تميّز الشعر الفلسطيني الذي سيبقى عالقاً في هذا القدر إلى أن يستعيد حريته.

ختاماً، نخلص إلى أن مركزية القضية الفلسطينية ستبقى قائمة في وعي الشعر الفلسطيني، بوصفها قضية وجود لا يمكن التنكر لها، لكن ثمة قضايا ورؤى جديدة بدأت تحدث تحولاً حقيقياً، علاوة على إطلاق أسئلة ينبغي الاشتباك معها بذكاء ومزاج جديدين، كي تطال مستوى صيغ الشعر الفلسطيني المعاصر، غير أنّ الأهم توليد لغة جديدة نتمكن فيها من مخاطبة الذات الفلسطينية أولاً على اختلاف تموضعها، وتجربتها كونها تحتمل تجربة مغايرة عن تجربة من اختبر اللجوء والنزوح، وعن الاصطدام بفكرة الذات بتكوينها السلبي، فالأجيال الجديدة التي تقاوم في الأرض المحتلة تختلف تجربتها عما اختبره الآباء والأجداد على المستوى الثقافي، خاصة في ما يتصل بتمثيلات العدو، في حين أن من يمكثون في المنافي فإن خطابهم معقد؛ ذلك أن جزءاً كبيراً من ذاكرتهم ارتبط بأوطان شتات لم يعرفوا غيرها، لكن هويتهم متصلة بوطن يرون أنه يعاني كل يوم، في حين أنهم أفادوا من قدرتهم على التواصل مع ثقافات مختلفة، ومتعددة، وهذا يمكن أن يطوّر من الخطاب الشعري خاصة، والثقافي عامة، حيث إن العلاقة مع الآخر تتطلب أدوات ووعياً جديدين، كما ينبغي أن نعي كيف يمكن الإفادة من هذا الجانب عبر اجتراح أسلوبيات جديدة، كما رؤى متطورة، فضلاً عن التطرق إلى مضامين جديدة، مع أهمية ألا تتجاهل محورية المقاومة، بالتجاور مع الانخراط بقضايا نتشاركها مع مجتمع إنساني، وهذا مما يمكن أن يحدث تحولاً في تخليق صورة جديدة للذات الفلسطينية، وقضيتها العادلة على مستوى الشعر.

كاتب فلسطيني أردني 

المصدر: القدس العربي 

الرابط المختصر || https://palfcul.org/?p=4387

Font Resize