6 December, 2022

الذكرى 29 لرحيل الشاعر والأديب والمفكر الفلسطيني عبد اللطيف عقل

د. أحمد حرب

صادف يوم الجمعة 26 آب 2022، الذكرى التاسعة والعشرون لرحيل الكاتب والشاعر الكبير عبداللطيف عقل. التقينا في أكثر من محفل وفي أكثر من مناسبة وعملنا معًا لفترة وجيزة (أثناء انعقاد مؤتمر مدريد والمفاوضات الذي تلته) في جريدة “القدس”، تبادلنا كتابة افتتاحية الجريدة (مرة أو مرتيين في الأسبوع) بالإضافة إلى “المقال السياسي الرئيسي” على صفحة الافتتاحية. عرفته كذلك من خلال “برنامج الكتاب العالمي” (IWP)، برنامج مرموق للكتابة الإبداعية الذي ترعاه جامعة أيوا الأمريكية. التحق عبد اللطيف بالبرنامج في العام 1977، ونالت مشاركته إعجاب الكتاب المشاركين من مختلف أنحاء العالم، وظل الشاعر الأمريكي المؤسس Paul Angle (توفي 1991) يعود إليها ويشيد “بحيوية” عبد اللطيف و”شخصيته الآسرة”. التحقت بالبرنامج في العام 1981(ومن ثم الجامعة) وأول ما التقيت Paul Angle في حفل الافتتاح، ذكر المشاركين ب(ابن بلدي) واصفًا إياه ب(الشاعر المسرحي)، تستمع إليه وهو يقرأ الشعر وتحس كأنك أمام مشهد مسرحي.

وتوطدت علاقاتنا في الوطن من خلال مجموعة من الأدباء والشعراء  وأساتذة اللغة والأدب في الجامعات الفلسطينية حيث كان ل “اتحاد الكتاب” دور نشط في ترتيب الفعاليات واللقاءات. تشاركنا في الهموم جميعها: الهم الأكاديمي والهم الوطني وسؤال الكتابة والحرية والابداع والمسرح ودور المثقف “في المرحلة القادمة التي قد تشهد ‘اتفاقيات سلام’ بين م.ت.ف. واسرائيل”، وما إلى ذلك.

التقينا قبل يوم أو يومين من رحيله المفاجىء وقد تكلم بفرح طفولي عن فكرته الرائدة بتحويل “سينما الجميل” إلى مسرح “السراج” وكيف أنه قطع شوطًا كبيرًا لتحقيق حلمه هذا لجعل “السراج” واقعًا يضيء عتمة الاحتلال وعتمة “الروح” وينير لنا طريق الحرية. كانت فكرة “السراج” فكرة طموحة للغاية استحوذت على  فكره وعقله في أواخر أيامه. ما يثير الحزن أن “السراج” لم يشهد إلا حفل تأبينه بعد أربعين يومًا على وفاته بدعوة مشتركة من اتحاد الكتاب الفلسطينيين وجامعة النجاح الوطنية في السابع من تشرين أول 1993 الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الخميس، وذيلت الدعوة بمقتطف مأثور من شعره:

هنا بالتمام.

قبل هذا الخراب، وتحت الركام.

كنت ألهو واحضن لعبتي المزدهاة.

واغفو إذا ما تنام.

وأحسب كيف على جثتي.

وعلى ما تدمر من لعبتي

سيجيء السلام !!

شاركنا في جنازته في اليوم التالي لوفاته، أذكر أنه كان يوم جمعة، حيث ذهبنا، أنا ومجموعة من الأصدقاء، إلى بلدة دير استيا. انتظرنا وصول الجنازة من مسجد القرية، في بيت قديم، غرفة واحدة طابق أرضي، خال من الأثاث ما عدا كرسيين بلاستيكيين يعتليهما الغبار. ذكر لنا أحد الأصدقاء بأن “هذا بيت طفولة عبد اللطيف عقل”• كنت في غاية الحزن لدرجة لم أتمالك نفسي من البكاء. بكيت بحرقة  عندما وصل “النعش” محمولًا على الأكتاف ووراءه عدد قليل من المشيعين، يسيرون وكأنهم على عجلة من أمرهم نحو المقبرة المجاورة للبيت وامرأة عجوز “تحبو” تحاول إيقاف المشيعين قبل أن يدلّى الجثمان في القبر.  لم تكن تلك “المرأة العجوز” سوى أمه التي كانت دائمًا محور حديثه، وهي بالنسبة له أول الكلام وأول الحب والشعر  والألم المستدام.

يا إلهي كم كانت حالة المقبرة بائسة ! منحدر مغطى بالأتربة والأشواك والأعشاب الجافة وأكياس بلاستيكية فارغة عالقة وأخرى ملقاة ملأى بالقمامة وأشياء أخرى. طلب مني صديقي الشاعر المتوكل طه والدمع في عينيه بأن ألقي كلمة تأبين باسم اتحاد الكتاب. اعتذرت، كنت غارقًا في حزني أمني نفسي بأن يرحم الله “أبو الطيب” ويعفو عنه ويغفر له ويعطف عليه ويجعل من قبره هذا بين الأشواك “سراجًا” منيرًا للأجيال.

يحضرني في مناسبة الذكرى هذه ما كتبه كل من الدكتور المرحوم عيسى أبو شمسية، أستاذ الأدب العربي الحديث في جامعة بيرزيت، والدكتور عادل سمارة، الكاتب والباحث الأكاديمي في حقلي الفلسفة والاقتصاد،  ونشر في جريدة “القدس”، الصفحة الأدبية، الأحد 29/8/1993.

في مقال بعنوان ” لنكرم الشاعر الراحل عبد اللطيف عقل”، كتب الدكتور أبوشمسية:

“الشعر هو ضمير الأمة، والشعراء هم ترجمان وجدانها. وتقاس عظمة الأمم بعدد الشعراء النابغين فيها. وبقدر ما يكون فرحها بهم حين يعزفون ألحان خلودها بقدر ما يكون حزنها عليهم حين يرحلون. ويكون حزنها عاصفًا حين يكون رحيلهم مفاجئًا على غير توقع، وحين تكون في أشد حالاتها ضيقًا وعنتا، وحين تكون في حاجة إلى صوتهم الصادق ووعيهم الأصيل. ولا يخفف من مصاب الأمة الجلل سوى يقينها بأن شعر هؤلاء الراحلين هو الزيت الذي تضيء منه ‘سراجها’• والشاعر الفقيد “أبو الطيب” فارس من فرسان الكلمة التي نبتت جذورها في شعر جده “أبي الطيب” المتنبي وبرعمت أغصانها في بستان ابن وطنه البار  “أبي الطيب” عبد الرحيم محمود، وأتت أكلها في شعر فقيدنا الراحل “أبي الطيب”، عبد اللطيف عقل، ضمير شعبه… وأرجو ألا يقتصر تكريمنا للراحل على أن نذرف دموع الحزن عليه، أو أن نكتب فيه قصائد الرثاء وانما يجب أن يتجاوز ذلك كله، مع أننا لم نوار جثمانه التراب إلا بالأمس فقط، إلى تخليد ذكراه بتخليد تراثه.”…

وكتب الدكتور عادل سمارة: “وداعًا عبد اللطيف … فالمجد يبنى من عظام النسور”.

“لست أدري هل هي الصدفة أم حضور الضرورة في هذا التاريخ 29 آب 1987  رحل عنا ناجي العلي، وها أنت تجيد التوقيت فترحل. لا يسقط في هذا اليوم سوى الفرسان، فارس الشعر سقط، لا بد أن يسقط فارس الشعر فزمان الفرسان في طريق النفاد. يحزنني حزني هذا المحبب، ومتى كان الحزن محببا “كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا”، أن أرثيك ولا تسمعني يا عبد اللطيف، فأنا لا أدغدغ الأحياء ولكن قد أرثي الأحياء…. عرفتك من خلال شاعر القدس وصعلوكها  فوزي البكري. قلت أنت فلان قلت نعم، قلت أنت شاعر متخف في ثياب الاقتصاد اللئيم، فقلت لك أنت كاتب (قصيدة جديدة عن رحيل قديم) أخذتك الدهشة الطفولية في الشعراء، وزادت دهشتك أنك وجدتني أحفظ معظم القصيدة، وأنبأتك لحظتها بأنني كنت قد غادرت ما غادرت أنت. عرفتك حينها بالشعر وبالريف، عرفتك بقولك “من أين تأتي كل هذه الاحزان”، عرفتك بقولك “مضى عام مضى عامان، أنت تنام خلف السور خلف الباب خلف بلاهة الأشياء”، عرفتك في “سلمى يحرث حبك قلبي بالسكة والفدان” وها هو قلبك يحرث مفتوحا لشتاء العصر القادم كي ينبت مرثاة أخرى للوطن لسلمى الصغيرة، وعرفتك في “ومن يعرم التبن يا ابن زريق حين ظهور العجول تنخ من الجوع”، وعرفتك “من مطلع الجوع حتى مغيب الشبع”،…

المصدر: الحياة الجديدة 

رابط مختصر|| https://palfcul.org/?p=5333

Font Resize