7 December, 2022

“أنطولوجيا الشعر الفلسطيني الراهن”.. مُبادرة مغربية لتعميم صوت قصائد فلسطينية “جديدة”

من المغرب كانت الفكرة، عبر الشاعر عبد اللطيف اللعبي والشاعر والروائي ياسين عدنان، وفي بيت الشعر بباريس كانت الانطلاقة بأمسية شعرية، قبل أيام، والحديث هنا عن كتاب “أنطولوجيا الشعر الفلسطيني الراهن”، ويحوي مجموعة من قصائد شعرية مختارة لشعراء فلسطينيين من كامل جغرافية الأرض المحتلة وفي منافي العالم المختلفة. وبعد أن جمعها عدنان؛ ترجمها اللعبي إلى الفرنسية، كإهداء من أدباء المغرب إلى الشعر الفلسطيني وأصحابه.
وقال الشاعر والروائي المغربي ياسين عدنان: من بين المختارات الشعرية اخترنا باقة مختصرة لنقترحها على شركائنا في بيت الشعر بالعاصمة الفرنسية باريس، بمشاركة موسيقيين فرنسيين، وذلك بهدف تقريب الجمهور من الأصوات الشعرية الفلسطينية المعاصرة، عبر أصوات حيّة وموسيقى.
وتشير الأنطولوجيا، ولو ضمناً، إلى أنه في ظلّ التاريخ العصيب لشعب ما زال يعيش تحت الاحتلال وبطشه اليومي، يتصدى الشعراء لكلّ الصعاب، فيقدمون قصائد على مستوى رفيع، فكانت القصائد التي قدّمها عدنان بصوته من باريس، نافذة على قطاع غزة لكسر الحصار الغاشم عليه، أو لتقديم إضاءة على سياسات الاحتلال العنصرية في الضفة الغربية، وخاصةً القدس، أو تعبيراً عن رغبة عارمة للاجئين في العودة، بالإضافة لرغبة من يقبعون في المنافي في استنشاق الهواء الفلسطيني بلا قنابل غاز أو أخرى مسيلة للدموع من جندية أو جندي في الجيش الإسرائيلي.
وأضاف عدنان: هذه الأنطولوجيا، ورغم كونها فرنسية اللغة، إلا أنها تحيّة مغربية للشعرية الفلسطينية، وحين عملنا عليها رفقة عبد اللطيف اللعبي، الذي سبق وأعدّ أنطولوجيا حول الشعراء الروّاد، وحول شعر المقاومة في فلسطين، منذ سبعينيات القرن الماضي وبعدها، كان الهدف ملاحقة الأصوات الجديدة والحالية لشاعرات وشعراء فلسطين.
وتابع عدنان: ما إن اقترح عليّ اللعبي مُشاركته إنجاز هذه الأنطولوجيا ليُترجمها إلى الفرنسية، حتى عدتُ إلى رفوف مكتبتي لأستلّ لائحةً من مجايِليّ الفلسطينيين، وهم شعراء لامعون وأصدقاء أعزاء. لكني جرّبتُ الانفتاح على جيلٍ أحدث.
هذا الانفتاح كانت حصيلته هذه الباقة التي تُشكّلُ أصواتُها ما يمكن المجازفة بتسمِيته “جيل الألفية الجديدة”، حسب عدنان، بحيث تضم “شعراء لهم صيتٌ عربي وحضورٌ دولي، لكن بينهم أصوات ما زالت قيد التخلُّق، وأخرى لا يتجاوز حضورها الشعري صفحات فيسبوك، لكن العبرة بقدرة التجربة على الانطلاق بالشعرية الفلسطينية نحو أفق جديد.
بدوره شدد الشاعر والمترجم عبد اللطيف اللعبي: الميزة لهذه الأنطولوجيا الجديدة هي كونها تعطي المجال لأصوات جديدة في الشعر الفلسطيني، أي الأجيال التي جاءت بعد الشعراء الكبار كمحمود درويش وسميح القاسم ومريد البرغوثي وغيرهم، وهذا أمر مهم، خاصةً أن هذه القصائد لشعراء في أرض فلسطين؛ غزة والضفة الغربية والقدس والداخل، ولشعراء فلسطينيين في الشتات.
وفي تقديمه للأنطولوجيا، كتب اللعبي: يكفي أن يُنْطَق اسم فلسطين (التاريخ، الأرض، البلد، الشّعْب، عدالة القضية، الكفاح من أجل الحياة، والآن الكفاح من أجل البقاء)، ليحضر الشِّعرُ كضيفٍ من تلقاء نفسِه.. نادراً ما نجد في تاريخ الأدب اسم بَلَدٍ، والأمر عندما يتعلّق هنا بفلسطين تحديداً فإنه يستحيل في حدّ ذاته شِعريّة. يجب الإقرار هنا بأنّ هذه المكانة تعود في جزء كبير منها لشعراء فلسطين.
هؤلاء الشعراء، يضيف اللعبي، هم “الرّواد الذين طفقوا في بداية القرن الماضي يُدرجون في ذاكرة شعوب الشرق الأدنى ذاكرةً خاصّة قيد التّكوّن، ذاكرة السكّان الفلسطينيين الرّازحين تحت نَيْرِ الهيمنة البريطانية، وجيل الستّينيات، والسبعينيات، الذي كان مهندس النّشأة بوضعِه العناصر المكوِّنة للهوية الفلسطينية الوطنية والثقافية. وقد كان محمود درويش حاملَ مشعلِ هذا الجيل، ولو أن شجرته السّامقة لا يمكن أن تُخفي غابةً من الأصوات القوية والأصيلة: معين بسيسو، توفيق زياد، فدوى طوقان، سميح القاسم، عز الدين المناصرة، محمد القيسي، أحمد دحبور، مريد البرغوثي، وليد خزندار، خيري منصور، وآخرين”.
وتابع اللعبي قائلاً: “بعد ذلك، تعاقبت الأجيال لِتُغْني هذه الشّعرية وتحتكّ بالنزعات الجديدة للشعر المعاصر وتحمي وتُبْرِز ديمومة القضية الفلسطينية، هذه الشوكة التي تسعى قوى الموت إلى نزعها من الضمير العام”.
ويذكر اللعبي أن ما يقع في فلسطين المحتلّة “يُغَذّي السّراب، ويربح المسافات، حقيقةً ومجازاً، لأجل حشرِ أصحاب الأرض (الخصم هنا) في طريق مسدود وإغلاقِه عليه بعد تجريده من مِقلْاعِه.. ويبدو أنها استراتيجية مربحة إذا أخذنا في الاعتبار الصمت الذي يلفُّ لسنوات عديدة مصير الشعب الفلسطيني”، وهذا ما يبرّر في نظر اللعبي إصدار الأنطولوجيا، و”يُضفي عليها طابع الاستعجال”، لأن الأمر “يتعلق بالضبط بوضع حدٍّ لهذا الصمت، والتنديد عالياً بإنكار الحق وبتنظيم فقدان الذاكرة، وكذا بمنحِ الصوت من جديد للواتي وللذين يعيشون اليوم في ظلمة الطريق المسدود، وهم غير مرئيّين تقريباً ولا يُسْمَعون على أيّ حال، وهنا يقرَؤون ويكتبون ويحبّون ويحلمون ويسافرون بعيداً، ويفكّرون بحرية”.
وكما وجد عبد اللطيف اللعبي في ترجمة هذا الشّعر “يُسْراً” و”لذّة”، فقد دعا قرّاء وقارئات “أنطولوجيا الشعر الفلسطيني الراهن” إلى أن يدعوا المُؤَلَّف “يفتح أعيننا وقلوبنا من جديد، ويُعيد إحياء حسّنا التشاركي، وأن يربطنا بالقيم النّفيسة لإنسانيّتنا بالإجمال”.
وكانت “أنطولوجيا الشعر الفلسطيني الراهن”، التي أنتجها عدنان واللعبي، قد صدرت مطلع آذار (مارس) 2022، بالفرنسية عن منشورات “بوينتس” (Points)، أمّا الحفل الباريسي لإطلاقها فاشتمل على قراءات بالفرنسية للعبي ورفيقة دربه جوسلين، وأخرى بالعربية لعدنان رفقة مذيعة “مونتي كارلو” اللبنانية غادة خلال، بمرافقة من الفنان تشاو وي شو على “الناي”، ولولا ماليك على “التشيلو”.
وقبل أيام، صدرت الطبعة العربية للأنطولوجيا، عن منشورات “المتوسط” في إيطاليا، للشاعر والناشر الفلسطيني خالد الناصري. وجاء في مقدمتها على لسان ياسين عدنان: فقط بعدما اكتملت الترجمة وتوصَّل بها الناشر الفرنسي، فكّرنا، عبد اللطيف اللعبي وأنا، في أنّ هذه الحديقة الشعرية تستحقّ أن تُفْتَح في وجه القرّاء العرب أيضاً. لكلِّ شاعرٍ مساحتُه الخضراء. وكلُّ ما يحاوله هؤلاء الشعراء هو إقناع القصيدة وقارئِها بأنهم يستطيعون هم أيضاً، لا أن يُجدّدوا في الشعر ويَفتحوه على مجهولٍ ما، بل أن ينتسبوا إليه بأصالة. لقد أضْحَت مطالبُهم بسيطة، ومشاريعُهم أيضاً. هل عن تخاذُلٍ وانهزام؟ هل لأنَّ زمن الفرسان في الشعر والقصيدة قد وَلَّى؟ لكن، أين الفرسان في معترك السياسة لنبحث عنهم في شِعاب القصيدة؟ ظَنِّي أنَّ شعراء فلسطين اليوم جاؤوا في زمنٍ عزَّتْ فيه الفروسية. ولأنّهم يرفضون القبول بالهزيمة، حاولوا الالتفاف عليها فيما يكتبون. القصيدةُ بهذا المعنى فضاءُ مُمانَعَة. وبهذا المعنى يمكن اعتبار المُمانَعَة أكبر مشروع وجودي لهؤلاء الشعراء. فكلُّ ما يحلمون به هو الانتصارُ للعُمق الهشّ للشاعر والكائن والكلمة، في زمن الهويات القاتلة واليقينيّات المُستفحِلة.

المصدر: الأيام 

الرابط المختصر || https://palfcul.org/?p=4260

Font Resize